الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٦٨الإباضية في موكب التاريخ
404
الإباضية في الجزائر
فَلَمَّا جاء الاستعمار الإيطالي وسيطر عَلَى كُلّ شيء بهتت تلك الصورة الرائعة للعمار، وحرفتها السياسة الاستعمارية من مؤسسة عتيدة لها أعراف وتقاليد ونظم إلى صورة مصغرة باهتة لها الاسم دون الصلاحيات، فكانت تكلف مشايخ القبائل أن يختاروا عددا قليلاً من الناس في حدود موسم واحد الحراسة غلة ذلك الموسم لقاء أجر محدد يجمع من أصحاب الغلة، ولم تزل هذه المؤسسة العتيدة – في ليبيا - تتضاءل حتى انتهت في أواخر العهد الإنجليزي، واستغنى الناس عن تلك المؤسسات جملة وتفصيلاً، ثُمَّ ذاب ذلك النظام وتلاشى وحل محله نظام الشرطة في المدن والقرى وحرس الغابات في الرياض والمزارع.
وَلَعَلّ القارئ الكريم يرى كثيرًا من ملامح هذا النظام في ملامح مؤسسة "إمَسطُورْدَان"، أو
ربما يرى الخطوط العريضة لكلا التنظيمين واحدة مما يدل أنها انبثقت من منبع واحد. ولكي أضع بين يديه صورة لهذه المؤسسة العتيدة سوف أعتمد على البحث الذي قدمه إِلَيَّا الأخ الكريم الشيخ فخار حمو بن عمر -وإن كنت لا أعرف واضع البحث- مستعينًا بما كتبه المؤرخان الكبيران أبو اليقظان والمدني في الموضوع، ومن كتابات مُحَمَّد علي دبوز من أحاديث ومناقشات متناثرة أثناء لقاءات خاصة وعامة.
أحد.
1 - يستمد نظام حراسة "إمَسطُورْدَان": من روح النظام العسكري عند الدول، وهو مستقل تمام الاستقلال عن هيئة العزابة من حيث الإدارة والتصرفات، ولكنه يرتبط بالعزابة شرفيا؛ فهو من العزابة بمثابة السلطة العسكرية من السلطة المدنية. وهيئة "إمَسطُورْدَان" عبارة عن مؤسسة معترف بها رسميًّا من العزابة ومن نظام العشائر، ومخولة تلقائيا باتخاذ الإجراءات الكاملة في جميع مجالات عملها دون اعتراض من 2 - يتلخص عملها فيما يلي: السهر التام عَلَى الأمن العام، والإشراف على الأشغال العامة، وتنظيم الأعمال التطوعية، وتوزيع الصدقات في مواعيدها، وحماية المجتمع من شرور المنحرفين، والمحافظة عَلَى قداسة مجلس العزابة وحمايته ممَّا يتهدده من داخل أو خارج؛ فهي تقوم بمزيج من أعمال السلطة العسكرية، وأعمال شرطة الأمن وشرطة الآداب، وأعمال رجال الحسبة، وأعمال شرطة النجدة والمطافئ، وأعمال المنظمات الكشفية.