الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٧٥الإباضية في موكب التاريخ
411
الإباضية في الجزائر
الإباضية والجهاد في سبيل الله
لاشك أن الجهاد المسلح في سبيل الله واجب من أوكد الواجبات على المسلمين، أمة، ودولاً، وأفرادا، وأن عملية الجهاد هي النبض الحقيقي الذي يَدُلُّ عَلَى الحياة، ويبرهن على الوجود، ويثبت الاستمرار في أداء الرسالة، وأن توقف الجهاد من أمة ذات رسالة يعني توقف الحياة فيها، وانتكاسها وارتدادها عن مكانة القيادة ومطالع الريادة إلى وهدة الجمود والتقوقع، والتخلي عن تحمل الأمانة التي أوكلت إليها، أو تعهدت بأدائها.
وذلك أن الأُمَّة ذات الرسالة لا تخلو عن أحد موقفين:
أعمدت
الأَوَّل: موقف تَحمُّل فيه رسالتها، وتنشر حضارتها، وتمضي مندفعة لتبلغها في جميع آفاق الأرض مسلولة السيوف مشروعة الرماح لتأمين الدعوة، وحفظ صوت البلاغ، وفتح الطرق أمام كلمة الْحَقِّ تبلغ كُلّ أذن، ويعيها كُلّ قلب وتتضح لِكُلِّ عقل .. فإن هي سيوفها ارتدت إليها سيوف أعداء الدعوة وتناوشها رماح المقاومة المضادة. الثاني: موقف تكون فيه في موقع الهجوم، ولكنَّها تقف ثابتة في مكانها مستعدة لكُلِّ الطوارئ، متحفزة لرد أي عدوان مضاد، حتّى تستكمل أدائها إن كانت محتاجة لأداء، أو راحتها إن وقفت للاستجمام، أو موعدها إن توقفت لعهد أو هدنة.
وقد حمل المسلمون رسالتهم وحضارتهم إلى آفاق العالم في صدق وثبات ينشرونها وسيوفهم مسلولة، ورماحهم مشرعة؛ فلما توقفوا عن الجهاد، وأغمدوا سيوفهم ارتدت إليهم سهام أعدائهم، ووجهت إليهم طعنات سيوفهم، وانقلبت المعركة، فبعد أن كان المسلمون وهم في حماية الدعوة مهاجمين، أصبحوا وهم حماية أنفسهم وكراسيهم مدافعين، ثُمَّ أصبحوا على تلك الكراسي متنازعين.
وبنظرة بسيطة إلى التاريخ الإسلامي منذ ابتداء الفتوح وامتدادها إلى جميع الجهات حتى تغلب الاستعمار وشمول احتلالاته، ويتضح لك أن المسلمين كانوا في انتصار متواصل، وتقدم مستمر حين كانوا يحملون دعوتهم منطلقين بها وأسلحتهم موجهة إلى صدور عدوهم، فنشروا الإسلام في جميع أنحاء العالم، وبلغوا الحضارة إلى كُلّ أطراف المعمورة، ونعم بالحرية والعدالة كل من