الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٨٠

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

هجوم في أسرع وقت؛ لأن هذا المركز يشكل نقطة هامة بالنسبة لجيشه، وإن الأحجار والمواد الضرورية وقع اختيارها في ناحية عن "دريوط" (سهل مصطفى باشا، ميدان المناورات)، وقف صفان من جنود المشاة تحمل مواد البناء من السهل إلى المرتفعات أحدهما يمد القفف الملآى والآخر يرجعها فارغة. وفي ليلة واحدة شيد برج منيع محاط بالخنادق، وسلحه بقطع المدفعية ذات العيار الكبير، وسَمَّاه العرب برج "بوليلة"، تخليدا للسرعة الهائلة التي بني بها. من الصعب جدا الاستيلاء على موقع كهذا على درجة كبيرة من الحصانة والمناعة، والمدينة بعد أن صعقت لا يمكن أن تصمد أكثر .. في هذه الظروف الحرجة قرر بنو "ميزاب" الذين يوجد منهم عدد كبير منذ ذلك الوقت في الجزائر أن يضحوا بأنفسهم لإنقاذ المدينة، فعرضوا خطتهم على الباشا، فما كان من هذا الأخير إلا أن وافق كما هو متوقع. والحيلة التي استعملها بنو "ميزاب" للوصول دون خطر إلى الموقع هي كما يلي: لبسوا ملابس النساء، وغطوا وجوههم باللحاف حسب العادة المحلية حَتَّى لا تظهر لحالهم وشوارهم، وأخفوا تحت حوائكهم مسدسات ملأى بالذخيرة وخناجر مشحذة، فخرجوا من جهة "الباب الجديد"، وتوجهوا نحو الموقع. عند ظهورهم توقف الأسبان الموجودون في الخنادق عن إطلاق النار ظنا منهم أن سكان المدينة قد استسلموا معبرين عن ذلك بهذه القافلة من النساء حسب الطريقة المتبعة عند المسلمين (1).

من

المدينة

1) ليس من عادة المسلمين إذا اضطروا إلى التسليم في معركة ما أن يعبروا عن ذلك بإرسال وفود النساء إلى عدوهم. وليست هذه الطريقة وإنما هم قد يرفعون أعلاماً بيضاء دلالة على وقف القتال ثم يفاوضون عدوهم - ولو كان منتصراً في المعركة - بجباه مرفوعة لا مكان للذلة فيها. أما المرأة عندهم فتبقى مكرمة مصونة لا تعرض لمثل هذا الموقف أبداً ما بقي من المسلمين رجل يستطيع أن يرفع السلاح. ولعل غيرهم ممن اعتاد أن يتاجر بالمرأة في جميع الميادين، ويبذل بسخاء مقابل أى مكسب هو الذي يفعل هذا. والتاريخ العام يذكر عدداً من النساء اللواتي تاجر بمن أقوامهن واتخذوا منهن بضاعة رخيصة فكسبوا على أعراضهن وجمالهن مكاسب مادية أو سياسية. ولكن ليس بينهن - والحمد الله - نساء المسلمين.