الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٨١الإباضية في موكب التاريخ
417
الإباضية في الجزائر
وهكذا دخل هؤلاء المهاجمون الماكرون الحصن دون عرقلة، وما إن دخل آخرهم حتى كشفوا عن دورهم الحقيقي، فأفرغوا أسلحتهم في هؤلاء الأسبان المغرورين، وسلوا خناجرهم فاحتدمت معركة عنيفة ورهيبة لم تنته إلا بموت آخر مدافعي الحصن.
ورغم المفاجأة لم يكن الدفاع أقل عنفا وضراوة مما تسبب في هلاك كثير من بني ميزاب. وما إن سيطر هؤلاء على الحصن، وبعد الاشارة المتفق عليها من قبل، أسرعت قافلة جند المشاة من
كانت قد أعدت من قبل وراء الباب الجديد، فأخذت مواقعها داخل برج "أبو ليلة". انتهى. هذا موقف من مواقف الجهاد في سبيل الله كما صوره مستشار دولة معادية يتولى إدارة
شؤون الحرب في الجزائر، يفيض قلبه مرارة من فشل الإسبان، وحقدًا على المسلمين. ولا شك لو أنا أخذنا الصورة عن مؤرخ نزيه لكانت أجمل وأروع من هذا بكثير. وقد نتج عن هذه العملية الفدائية التي قام بها بعض الإباضيَّة المقيمين في عاصمة الجزائر كتجار إعجاب وتقدير في نفس الباشا التركي، وأراد أن يكافئهم على ذلك المجهود العظيم والتضحية الغالية، فرغب إليهم أن يقدموا إليه ما يشاءون من مطالب فطلبوا منه ما يلي: 1 - أن تبقى الاتفاقية السابقة بينهم وبين الدولة التركية سارية المفعول مع الاهتمام
طرقهم.
بتأمين
- أن يعطي لهم امتياز الإشراف عَلَى مذبحة الجزائر حتّى يضمنوا صحة الذكاة، وحلية
اللحوم.
3 - أن يؤخذ برأي أمين جماعة الحرفة، وتنفذ له الجهات الرسمية طلباته فيما يتعلق بإرجاع بعض الأفراد من الإباضيَّة إلى واحاتهم إذا خيف عليهم الانحراف.
4 - أن تعطى لهم أولوية فتح الحمامات وإدارتها.
فوافق الباشا على جميع مطالبهم وهي مطالب كما يرى القارئ الكريم بسيطة، وربما سخر منها من لا يعرف أو لا يقدر النظرة العميقة التي بنيت عليها.
الجانب الثالث: ويتناول الكفاح المزدوج في الناحيتين السياسية والعسكرية لمدى طويل، ونستطيع أن نوضح معالمه - بإيجاز - في كفاح "بني مصعب" للاستعمار الفرنسي منذ
احتلال فرنسا للجزائر إلى أن طردت منها، وذلك على نطاقين: نطاق خاص، ونطاق عام.