الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٨٢الإباضية في موكب التاريخ
418
الإباضية في الجزائر
في النطاق الخاص: ونعني به كفاحهم في سبيل حرية واستقلال وطنهم "وادي ميزاب" خاصة. ولكي نبني هذه النقطة على أساس سليم من التاريخ ينبغي أن يعرف القارئ الكريم أن الميزابيين قد اتفقوا مع الدولة التركية في مبدأ أمرها أن يعترفوا بسيادتها، وأن يدفعوا لها ضريبة معينة قدرت بما يساوي (45،000) فرنك فرنسي، وأن لا يساعدوا أو يأووا أي قائم عليها أو مناهض لحكمها، ولهم مقابل ذلك أن يتعاطوا تجارتهم في أي بلد خاضع لسيادتها بكامل الحرية وأن تؤمن طرقهم ومواصلاتهم، وقد وفوا لها بما اشترطت عليهم، ووفت لهم ببعض ما اشترطوا عليها، وقد بقي الوضع عَلَى هَذه الحال إلى أن خرجت الدولة التركية من الجزائر، واستولت الدولة الفرنسية عليها سنة 1830 م، فاتخذ جهاد الإباضية منعطفا ثانيا.
لقد وقف "بنو مصعب" لحماية مدنهم موقف الشعب الحر الشريف، ولم يتمكن الفرنسيون أبدا من احتلالها واتخاذها مستعمرة، وعندما سقطت مدن الجزائر كلها شرقيها وغربيها وجنوبيها ولم يبق إلا مدنهم اضطر الإباضيَّة إلى نوع من التساهل كما اضطرت فرنسا أن تتنازل عن كبريائها الاستعماري، وأن تقتصر على مد نفوذها الاسمي على تلك المدن، وقبل "بنو مصعب" بعد كفاح مرير سياسيا وعسكريا استمر اثنين وعشرين سنة وزيادة أن يعقدوا معها معاهدة حماية شبيهة بالاتفاقية التي كانت لهم مع تركيا.
من سنة 1830 م إلى سنة 1853 م بقيت هذه المنطقة حرة مستقلة لا تخضع لأحد. وفي سنة 1853 م عقدت معاهدة الحماية بين فرنسا و"بني مصعب" عَلَى أن يعترف "بنو مصعب" بسيادة الدولة الفرنسية وأن يدفعوا لها نفس الضريبة التي كانوا يدفعونها للدولة التركية، وأن لا يساندوا أو يأووا إليهم من يثور عليها. ولهم عليها أن لا تدخل بلادهم، وأن لا تتدخل في شؤونهم، وحتى الضريبة المتفق عليها يقومون هم أنفسهم يجمعها، ثُمَّ يحملها وفد منهم إلى مدينة الأغواط التي لفرنسا فيها مركز؛ لأن مدن الإباضيَّة إلى ذلك الحين ليس فيها أي مركز حكومي، ولا أي حاكم فرنسي، والتي تنص المعاهدة أن تبقى كذلك أيضا.
(1) الوثائق الآن ليست تحت يدي، ولذلك فقد تركت التحديد، وأحسب أن هذه الاتفاقية إِنَّمَا عقدها وفد من بني مصعب مع خير الدين في أواخر الربع الأول من القرن العاشر الهجري. وَرُبَّمَا قبل أو أثناء الحركة التي قام بها أحمد بن القاضي وقارة حسن فاضطر
خير
الدين أن يخمدها بنفسه.