الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٨٣

الإباضية في موكب التاريخ

419

الإباضية في الجزائر

على أن الاستعمار كالمرض الخبيث قد يستكن ولكنَّه لا يشفى، ويتحرك حين تواتيه الظروف الملائمة. ففي سنة 1882 م أعلنت فرنسا أَنَّهَا ألحقت بلاد "بني ميزاب" بأملاك فرنسا، وبصورة شبه مفاجئة ودون أن يعرف الميزابيون أنفسهم شيئًا عن الموضوع تحركت

منهم

حامية عسكرية من الأغواط وانتصبت في غرداية دون أي مقدمات، فلم يتعرض لها السكان بالقوة ظنا أن المطالبة باحترام نصوص المعاهدة كفيلة بإرجاع الأمور إلى نصابها، لاعتقادهم أن هذه المغامرة ليست من الدولة نفسها، وَإِنَّما هي حركة من بعض القواد العسكريين في الجنوب، وعندما احتج الميزابيون عَلَى هَذه الحركة لدى الحكومة الفرنسية أجابتهم بأسلوب المراوغات السياسة المعروفة أنها متقيدة بنصوص المعاهدة، وأنها حريصة على تنفيذها والمحافظة عليها.

ولكن الاستعمار لا يعرف الصدق ولا الوفاء ولم تخرج الحامية الفرنسية من غرداية إلى أن خرجت فرنسا من الجزائر. وقد جَابَة "بنو مصعب" هذا التصرف من الدولة الفرنسية من جهة بسلسلة من الاحتجاجات والمقاومة الدبلوماسية المبنية على احترام القوانين والمعاهدات والأعراف الدولية، لاسيما وأن فرنسا حينئذ كانت تدعي أنها حامية القانون وحارسة الحضارة، فكانت تود أن لا يذاع عنها في الأوساط العالمية ما يناقض دعواها ويكشفها على

حقيقتها.

ومن جهة أخرى نظموا مقاطعة سلبية (1) ضد كُلّ ما يتصل بالفرنسيين ولا سيما فيما يتعلق بمساعدتها عَلَى إدارة الأعمال، وقد أرادت بناء عَلَى استيلائها على المنطقة أن توظف كُلّ مجموعة من الإداريين لمساعدتها، فعرضت وظيف (قائد) عَلَى كُلّ مدينة، ولكن أحدا من أهل البلاد لم يتقدم لهذا الوظيف ووقف المسلمون المجاورون احتراما لإخوانهم نفس الموقف،

1) قال الأخ الأستاذ إبراهيم قرادي في رسالته إلى ما يلي: "وما كاد الاحتلال العسكري يتم حتى نظم الميزابيون المقاطعة السلبية ضد كُلّ ما يتصل بالفرنسين سيما الوظيف الذي يمنحون بموجبه اليد المطلقة في كل بلدة وهو وظيف القيادة، وقد رفض الميزابيون هذه المسؤولية مع ما فيها من نفوذ و لم يقبلوه حتى عينوا يهودياً يُسَمَّى "فقح بشاعة" حاكماً بأمره، ولكن الفدائيين أعدموه في وادي مليكة؛ أي خارج القرى، وعبثاً حاول الفرنسيون العثور على قاتله، فطالبوا الميزابيون بدفع ديته".