الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٨٤

الإباضية في موكب التاريخ

420

الإباضية في الجزائر

فلم يتقدم منهم أحد لشغل ذلك الوظيف المغري مع حرص الحامية على شغله بعنصر وطني، يكون بمثابة فتح ثغرة في الصفوف وإحداث صدع فيها. فَلَمَّا لَم يتقدم أحد من المسلمين تقدم له يهودي من الأغواط، وجاء فاستلم عمله في مركز غرداية، وبدأ عمله بنوع من التوقح والغلظة والكبرياء، وبينما كان يسير ذات يوم بين القرى في انتفاخ وزهو امتدت إليه يد فاغتالته. وقامت قيامة الدولة الفرنسية وارتكبت من وسائل التعذيب والتنكيل ما ترتكبه الدول الاستعمارية عادة في مثل هذه المواقف.

كما أن المقاومة السلبية لم تقف عند حد الرجال، وَإِنَّمَا تقدمت المرأة إلى اتخاذ موقف رائع، فقد ذكر الأخ الأستاذ إبراهيم قرادي في رسالته: "إن الجماعات الدينية للنساء نظمن رئاسة رئيسة الجماعة الدينية النسائية بغرداية وهي المسماة "مامة بنت سليمان"،

مؤتمرا تحت

وقررن إصدار أوامر بمقاطعة كُلّ ما يتصل بالفرنسيين من لباس ومواد وغيرها".

وكان هذا الموقف المشرف من هَذه المرأة المؤمنة من المواقف التي رفعتها إلى مصاف زعيمات النساء المسلمات في العصر الحديث فقد اعتبرها صاحب كتاب «ثورات النساء في الإسلام» واحدة من اثنتي عشرة امرأة اشتهرن بمواقف بطولية في العالم.

ورغم

أن الحكومة الفرنسية أعلنت عندما احتلت حاميتها العسكرية غرداية، فاحتج مواطنوا المنطقة على هذا التصرف المخالف لنصوص المعاهدة المبرمة بينهم وبينها أنها ستحافظ على نصوص تلك المعاهدة، وأنها ستفي بالتزاماتها، ولكنَّها لم تفعل ذلك؛ بل أنها في سنة 1912 م وشبح الحرب العالمية الأولى يطل عليها، والدمار يهددها، وكانت تتشبث بكُلِّ ما تعتقد أنه يزيد في قوتها كما يتشبث الغريق بذنب الأفعى، فرضت التجنيد الإجباري على الإباضية باعتبارهم خاضعين لسيادتها، فقاموا لذلك وقعدوا، ووقفوا في الرفض موقفًا مصمما لا يتزحزحون عنه، وبعد صراع عنيف اقترح بعض ساسة فرنسا حلا وسطا وذلك بأن يدفعوا للدولة الفرنسية مبالغ من المال يمكن لها أن تستأجر بها مرتزقة بالعدد الذي فرضته عليهم بدلاً عن أبنائهم، فلم يقبلوا هذا الحل، وكان مما استندوا إليه في رفضهم للتنجيد الإجباري - بالإضافة إلى تمسكهم بنصوص المعاهدة، وعدم اعترافهم بأن لفرنسا هذا الْحَقِّ،