الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٨٦الإباضية في موكب التاريخ
422
الإباضية في الجزائر
نشر سنوات كاملة، وكانت من القضايا الهامة التي تضاربت فيها رغبات السياسة والإدارة من جهة، وآراء القضاء والقانون من جهة أخرى، وبعد معارك طاحنة على الساحات الجزائرية ثُمَّ عَلَى الساحات الفرنسية في باريس نفسها استطاعت دور العدالة أن تقف في مواجهة السياسة والإدارة وأن تكبح جماحها، وثبت الْحَقِّ الذي دافع عنه هذا الشعب الإباضي الصغير بصمود واستماتة حتى ظفر به.
إن الإباضية حينما انتهكت فرنسا حرمة المعاهدة وعلموا أنهم لا يستطيعون مجابهتها بالقوة العسكرية التجأوا إلى ميدان السياسة والقانون، وكانوا يرفعون قضيَّة في كُلِّ جزئية تنتج عن انتهاك فرنسا لحرمة المعاهدة؛ فأصبحت دور العدالة في كُلّ من الجزائر وفرنسا مشغولة بالقضايا ضد الحكومة نفسها، وكانت بعض الجرائد الحرة وبعض الجرائد المحلية لاسيما جرائد الشيخ أبي اليقظان -رحمه الله، شيخ الصحافة في ذلك الوقت تتناول تلك القضايا بتعاليق تشجب فيها مواقف فرنسا، وتُحذر العدالة وهي القيمة الوحيدة الباقية لفرنسا الاستعمارية من الزيغ والانتكاس والوقوع في أحضان السياسة، أو الخضوع لإجراءات الإدارة. وقد أيدهم ووقف إلى جانبهم بعض أحرار الفرنسيين من المحامين والقضاة ورجال الصحافة ورجال السياسة .. وهكذا لم تستطع فرنسا بما أوتيت من قوة أن ترغم أولئك الناس -مع قلة عددهم- على الخضوع لها؛ فبقي الإباضية في تلك البقعة الصغيرة متميزين عن بقية السكان بأنهم تحت حماية، وليسوا تحت نفوذ احتلال واستعمار؛ ممَّا غل الأيدي الاستعمارية وحال دونها ودون التغلغل فيما بينهم وبقيت مجالس العزابة ومجالس العشائر ومجالس الحراسة، تتولى هي بنفسها جميع شؤونهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية .. ورغم محاولة فرنسا وبطشها لم يزد تأثيرها عليهم عن مبلغ من المال تأخذه منهم بمقتضى الاتفاقية، وحامية عسكرية صغيرة منتصبة في
غرداية، ليس لها من حقائق الحكم إلا راية ترفع على مركزها عند الصباح وتترلها عند المساء. وَلَعَلّ مِمَّا يوضح هذا الموقف أن نقتطف صورًا ممَّا قاله المؤرخون فقد جاء في كتاب «موجز التاريخ العام للجزائر» للأستاذ عثمان الكعاك (ص 455) ما يلي: "ولا تزال بلادهم إلى الآن متمتعة باستقلالها الداخلي لا تربطها بفرنسا إلا روابط خفيفة".