الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٨٧

الإباضية في موكب التاريخ

423

الإباضية في الجزائر

وقال الأستاذ أحمد توفيق المدني في كتاب الجزائر» (ص) (184) ما يلي: "واستمر الميزابيون يديرون بلادهم باستقلال حسب مذهبهم الإباضي، وكان لهم بها نظام جمهوري متقن بديع، وكانوا يخضعون اسْمًا للدولة التركية، وقد تطوعوا عندما استفزهم حسين باشا للدفاع عن الجزائر بألف رجل، ثُمَّ اعترفت لهم فرنسا بذلك الاستقلال الداخلي المطلق بمعاهدة سنة 1853 م، وأخيرًا نقضتها برسالة سنة 1882 م بدعوى أن الميزابيين أووا إليهم الثائرين على فرنسا وأمدوهم بالسلاح". وقال في (ص 226) ما يلي: "وَلَمَّا أعلنت فرنسا تجنيس سائر اليهود في الجزائر لم يشمل يهود "ميزاب" ذلك الأمر؛ لأن بلادهم ليست تابعة لفرنسا، بل هي بلد حماية". وقال في صفحة (65) ما يلي: ثُمَّ لَمَّا أعلنت فرنسا قانون فصل الدين عن الدولة سنة 1901 م ضبطت كافة الأوقاف الإسلامية التي كانت تقوم بحياة المساجد ورجال الدين والقضاء الإسلامي، وأدخلت كُلّ ذلك ضمن أملاك الدولة، ووزعت الأرض على الاستعمار، فلم تبق بأرض الجزائر من أوقاف عامة إسلامية إلا ببلاد "ميزاب" وحدها، نسأل الله أن يقي تلك الأوقاف عوادي الحدثان".

أحسب أن هَذه المقتطفات كافية لإيضاح الكفاح الطويل الذي قام به الميزابيون لحماية أنفسهم في ميدان السياسة والقانون، وَأَنَّهُم استطاعوا أن يحفظوا عليهم استقلالهم رغم محاولات الاستعمار، وحنق الجهات العسكرية. وهكذا بقيت معاهدة الحماية نافذة المفعول رغم أن السلطة العسكرية ألغتها بقرار، ولكن ذلك القرار بقى حبرًا عَلَى ورق. وإذا استثنينا تلك الحامية التي انتصبت بالقوة في غرداية واستطاعت في الفترة الأخيرة وبعد اغتيال اليهودي (فتح)، وما قامت به من تنكيل وتعذيب للمواطنين، أن تجد أشخاصًا رُبَّمَا كان قصدهم حماية وطنهم من أمثال (فتح)، فتحت لهم هناك مكاتب، وأسندت إليهم وظائف دون أن يكون لهم مع الجمهور شغل؛ لأن الجمهور بقي يرتفع بمشالكه كلها إلى الجهات التي ألفها منذ قرون واطمأن إلى كفاءتها ونزاهتها

ومراعاتها للحق والمصلحة.