الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٩٩

الإباضية في موكب التاريخ

435

الإباضية في الجزائر

والجهاد بالمال في سبيل الله قرين الجهاد بالنفس في جميع مراحل الجهاد، وكثيرا ما قدم القرآن الكريم الجهاد بالمال عَلَى الجهاد بالنفس؛ ليشعر المؤمنين بأهمية البذل في سبيل الله. 3 - تأمين الأشخاص: لا تخلو مدينة من مدن الجزائر من عدد من المتاجر أصحابها من الإباضيَّة، وَلَعَلّ تسخير الإباضيَّة لأعمال التجارة في جميع أنحاء الجزائر كان وفق مشيئة تعالى الحكم يعلمها، وعرف الناس بعضها في هذه الظروف، وهو تأمين المجاهدين في سبيل الله

لإخراج المستعمرين من بلاد الإسلام.

بمجرد

الله

د ما يحس أحد رجال الثورة عند دخوله للمدن أو القرى للقيام بأعمال تقتضيها مصلحة الثورة برقابة السلطة الاستعمارية أو بتتبعها له، فإن أوَّل متجر للإباضية يقع في طريقه يكون مخبأ أمينًا له، فيلجأ إليه في الحال؛ لأنه يعرف أن لهم وسائل في إخفاء من يلجأ إليهم لا يمكن لشيطان الاستعمار أن يكشفها، وهو أيضا على يقين أن ذمم أولئك الناس لا تخفر مهما كانت النتائج، وهو يعرف أيضًا أن مُجرد التجائه إليهم يجعلهم يحسون بمقدار الخطر الذي يتهدده، ولذلك فهم حريون أن يوفروا له الحماية والأمن حَتَّى ينجز المهمات التي جاء من أجلها.

وهم يعرفون فوق ذلك أن انكشافه عندهم يعرضهم ويعرضه لكثير من الأذى ويضعهم

تحت الرقابة المستمرة. وتروى في هذا الباب قصص ونوادر (1) وبطولات تعتمد أوَّلاً عَلَى صدق النية في الجهاد بِكُلِّ الوسائل، ثُمَّ عَلَى الذكاء واللباقة وحضور البديهة واتساع الحيلة وحسن التصرف، وهي

1) ذكر لي أحد أولئك التجار أنه أعد في متجره أنواعاً من الألبسة التنكرية واللحى والشعور المستعارة والعمائم الجاهزة، وألبسة كالتي يلبسها عمال الإباضيّة في متجرهم، وعندما يدخل إليهم ملتجئ من متابعة العدو سرعان ما توضع على وجهه لحية، وعلى رأسه عمامة، وعلى ظهره ثوب من ثياب العمل، ثُمَّ يبدأ في العمل من الجوانب الواضحة من المحل؛ فإذا جاء المطاردون لم يخطر لهم أن طريدهم هو أحد العاملين في واجهة المحل، واندفعوا - بغطرستهم إلى الداخل يبحثون ويقلبون المحل تفتيشاً، ولَكنَّهم لا يعثرون على من يطلبون، وهو قد يكون في ذلك الحين بين أيديهم وأعينهم يمد قطعة قماش إلى زبون، أو يقشر البصل في المطبخ.