الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

الإباضية في موكب التاريخ

118

نشأة المذهب الإباضـ

أبو عيدة مسلم

أخذ العلم وأصول المذهب عن جابر بن زيد جماعات كثيرة انتشروا في المشرق والمغرب، وكان أعظمهم الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي أصبح مرجع الإباضية دون خلاف بعد جابر بن زيد، رغم أن له زملاء لا يقلون عنه علما بدين الله وعملا به.

هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم، اشتهر بلقب القفاف؛ لأنه كان يشتغل وهي حرفة حرة شريفة، استطاع أن يرتزق منها هو وطلابه رزقا شريفا القفاف، بصنع

حلالا، بعرق الجبين وكد اليمين.

تولى التدريس بعد الإمام جابر، فأخذ عنه العلم خلق كثير، رغم ما ابتلي به من مضايقة الطغيان، وتشديد الرقابة عليه، ومنعه من نشر العلم وبث الروح المتحررة التي لا ترضى بالضيم، ولا تسكت عن الهوان.

وقد اضطر تحت ضغط الظالمين أن يقوم التعليم مستترا، وأن يخفي مدرسته القيمة عن أنظار الحجاج، وأعوان الحجاج الحجاج الطاغية الذي لم يكد يسلم من جبروته وطغيانه مؤمن بربه مخلص - مع زميله وصديقه ضمام واستشار في أمرهما مجوسيا، ليدله على نوع من الأكل يتعذب به الأكل ولا يفضى به إلى الموت فأشار عليه بإطعامهما الزيت والكراث فكان ذلك طعامهما إلى أن مات الحجاج فأطلق سراحهما. وربما ضاق ضمام بهذا السجن وهذا العذاب، فيقول له أبو عبيدة في صبر المؤمن الواثق في الله: "على من تضيق؟ ". خرج الإمام أبو عبيدة من سجن الحجاج فواصل رسالته في الدعوة إلى الله، والتمسك بدينه، والعمل بشريعته، وكان حر الفكرة، ينشر المبادئ الإسلامية الصحيحة في كرامة المسلم وعدم قبوله للامتهان ومطالبة ذوي السلطان بالاستقامة في الدين والاستقامة في الخلق، والاستقامة في العمل، والاستقامة في الحكم.