الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٢١

الإباضية في موكب التاريخ

119

نشأة المذهب الإباضي

كان يدعو إلى مطالبة ذوي السلطة بالتزام السنة واتباع سيرة السلف الصالحين، وإقامة العدل بين الناس، وتنفيذ أحكام الله كما جاء بها كتاب الله، وهذه الدعوة هي أكره ما يكره الظلمة المستبدون في كُلّ عصر وفي كُلّ مصر؛ ولذلك فقد بذلوا ما لديهم من قوة، واستعملوا كُلّ وسيلة لكي يحولوا دون هذه الدعوة، ويمنعوها من البلوغ إلى الناس على حقيقتها وصحتها ووضوحها، لكي تبقى الأمة وادعة مستسلمة، ويستمر الشعب صابرًا منتظرا، ويسود الجميع

القناعة والصبر. ولكن هل يستطيع الظلم مهما كان قويا، والطغيان مهما كان عنيفا، والجبروت مهما استكبر واستعلن، هل يستطيع كُلّ ذلك وأضعاف كُلّ ذلك أن يسكت الحق، وأن يطمس نور الحقيقة، وأن يطول استعباده لشعوب تؤمن بأن دين الله يدعوها إلى التحرر من عبودية البشر، وأن كتاب الله يحرم عليها الانخذال والاستكانة، وأن رسول الله يعلم أمته أن أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر يقتل بها صاحبها؟! فعل الحجاج وأعوان الحجاج ورؤساء الحجاج كُلّ ما يستطيعون ليخفتواصوت الحق، ويضطهدوا دعاة الكرامة وحملة الشريعة، فسجنوا وعذبوا وقتلوا، وملأو الدنيا بالرهبة والخوف فعلوا كُلّ ذلك وأكثر من ذلك ولكنهم لَمْ يستطيعوا إلا أن يزيدوا الثورة اشتعالا، وأن يعجلوا بنهاية سلطانهم، وذهب الحجاج وذهبت الدولة التي كان يعبدها من دون الله، وذهب ما أعد لمحاربة المؤمنين من قوة وتوفي إلى رحمة الله المؤمنون المخلصون من التابعين، ولحق بربه جابر والحسن وضمام وأبو عبيدة، وآلاف غيرهم ممن وصلت إليهم يد الحجاج وزملائه بالأذى الكثير

أو القليل، ولكن شتان بين ما سجله التاريخ لأولئك وهؤلاء، أما ما عند ربك فخير وأبقى. استطاع الحجاج بما عنده من إمكانيات، وما أتيح له من قوى أن يزيد قليلا في المال الحرام الذي تمتع به المترفون من بني أمية، وأن يمنحهم أمية، وأن يمنحهم أمنا أكثر في مجالس العربدة والسكر، وأن يهيئ لهم التفرغ للشراب والقمار والفجور. واستطاع أولئك المضطهدون المعذبون أن يمدوا الأمة الإسلامية بدين الله، وأن يوصلوا إليهم رسالة مُحَمَّد صافية خالصة، وأن يغمروا قلوبهم بالإيمان بالله وحده، وأن يعرفوهم أن العبودية لا تكون إلا الله، وأنه يتساوى في ذلك جميع المخلوقات.