الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٢٠١

الإباضية في موكب التاريخ

437

الإباضية في الجزائر

شيء إلى الثوار أو الحصول على شيء منهم ينطلق فرد أو أفراد من الإباضية - تجار أو طلبة لزيارة وطنهم، إما لعمل تجاري أو لإطفاء لواعج الشوق، وفي حركتهم تلك يتم المقصود من الإبلاغ أو الحصول، وهكذا تَتِمُّ المخابرات بين أعين وآناف الاستعمار وأجهزته المتجسسة، ولكنه لا يسمع ولا يرى ولا يشم.

في

وقد كانت بعض متاجر الإباضية في أغلب المدن الجزائر بمثابة دور البريد، أو مراكز المخابرات للثورة؛ فهي مستودعات للرسائل والنشرات والبلاغات وكانت تلك المراكز معروفة عند عناصر القيادة، فيتردد عليها حملة البريد السري للثورة أو توصل إليهم إذا خيف من التتبع والمطاردة .. وفي أكثر الأحيان يودع هناك ما يراد نقله أو توزيعه إلى جهات فيصلها أمان ودقة، وكانت تلك المتاجر تسلم أو تستلم ما يمر بها، إمَّا لشخص معروف لديها، وَإِمَّا بكلمة سر هي مفتاح التعامل. ولقد نال تُجَّار الإباضية بسبب هذه الأعمال كلها كثير من الشر والأذى كالسجن والضرب والتعذيب بأنواعه المختلفة ومصادرة الأموال. ولكن الاستعمار في جميع حالاته تلك لم يستطع بجهازه التعذيي الجهنمي وبطاقمه الوحشي أن ينتزع سرًّا واحدًا من إباضي واحد مِمَّن أوقعهم سوء حظهم تحت براثنه، وَإِنَّمَا كان الواحد منهم يتلقى ما يتزل عليه في ألم وصبر مُحتسباً ذلك في الله، ولم يذكر عن واحد أنه أشار لا من قريب أو بعيد إلى ما يضر بالثورة أو برجال الثورة، ولقد لقي بعضهم حتفه تحت التعذيب دون أن تنفرج شفتاه عن أي سر من أسرار الثورة وعنده منها مخبات سلمها خلفاؤه إلى رجال الثورة كاملة سليمة.

منهم

هذا الموقف البطولي نفسه كان مدعاة للحيرة والاندهاش بالنسبة إلى الجانبين، فهو من جانب تكذيب لتحريات رجال المباحث الاستعمارية فيما يعتقدون أنهم وضعوا عليه اليد وأمسكوه من كُلِّ أطرافه، وهو من جهة أخرى قلل من الشائعات والأخبار عما يقومون به من أعمال في صمت وإتقان حَتَّى ظن السطحيون أن جهودهم في مكافحة الاستعمار ضئيلة، وكانت نتيجة هذا الموقف البطولي من تحمل العذاب وكتمان السر أنه لن يستطيع أحد أن يقف يوما فيزعم أن ضررًا ما لحق به أو بشخص ما، أو بمرفق من مرافق الثورة،