الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٢٠٦الإباضية في موكب التاريخ
442
الإباضية في الجزائر
الآراء،
ولا شك أن القارئ يعرف أنني بعد زيارتي أعدت صياغة بعض الفصول، وصححت بعض وحققت بعض المعلومات، ولكنني مع ذلك لم أستطع أن أبلغ به ما في نفسي، وكل ما أستطيع أن أعتذر به في هذا المقام أن أقول: إِنِّي بذلت جهدًا غير قليل في إخراج هذا العمل إلى حيز الوجود، ولو لم يكن فيه من جهد غير نقله عددًا من المرات لكان عملاً مضنيا، وقد بقي بين يدي نيفا وعشر سنوات وكنت كلما تناولته أو تناولت بعضه بالصقل ظننت أنه صار أفضل، وأحسب الآن أنه على وضعه الموجود هو أفضل مما كان قبل ذلك، ولو تناولته بالتحقيق والتصحيح من جديد لوجدت فيه ما يستحق التغيير، ولصار بعد ذلك أفضل مما هو عليه الآن .. ولكننا لو سرنا على هذا الأسلوب نشتغل بالتصحيح والتحقيق حتّى نصل إلى اللحظة التي نبلغ فيها الكمال،
وتحوز الرضا التام فيما نقدمه من عمل لما وصلنا إلى تلك اللحظة أبدا، ولما أنجز لنا عمل أبدًا. وإذا وجد من يقول عن نفسه: إنه بلغ مرتبة الكمال في عمل من الأعمال، فذلك أحد رجلين إما رجل يعرف عن نفسه القصور فهو ينفخ فيها بالشجاعة خوف الإحجام، وَإِمَّا رجل لا يعرف معنى الكمال ولا يقدره .. وقد عرفت أناسا يريدون أن يخرجوا أعمالاً يصلون فيها إلى الكمال فأمضوا زيادة عن عشرين سنة يجمعون الحقائق حتَّى ذهب نور أبصارهم، ولم يخرج عملهم ذلك إلى النور، ولو أتيح له أن يخرج لكان صاحبه أول من يحس بالنقص فيه.
وإذا وجدنا من
ويزعم
الكمال الوصول إلى عين اليقين في كُلّ ما يقول؛ الكتاب من يدعي فأنا لا أملك هذه الجرأة، ولا أحسن هَذه الدعوى، وأعترف بصراحة صادقة أن في عملي هذا كثيرًا من النقص منه ما أعرفه ولَم أتمكن من إتمامه، ومنه ما لا أعرفه وقد يعرفه القارئ، ومنه ما قد يخفى عني وعن القارئ إلى حين.
وعلى جميع الأحوال فهو مُحاولة أرجو أن يستفيد منها من يقتنع منهم بالبسيط، وأن يجد فيه حملة الأقلام ما يستعينون به على شق طرق جديدة في منهج جديد لدراسة اجتماعية متكاملة، مبنية على أحداث تاريخية في جانب من المجتمع الإسلامي لم يجد بعد العناية الكافية من أقلام صادقة تكتب بالْحَقِّ، وتسعى وراء الْحَقِّ رغم ما كتبت عنه وفيه … فإذا لم يجد فيه القراء وحملة الأقلام جدوى ولو قليلة فهو ليس أول عمل تافه يقدمه إنسان وهو يعتز به، وإنني على شدة الخجل من التصريح بالاعتزاز بعمل من أعمالي لأعتز به على ما فيه، وأرجو أن يكون من حسناتي عند الله.