الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٢٢الإباضية في موكب التاريخ
120
نشأة المذهب الإباضي
واستطاع أولئك المضطهدون المعذبون أن يفهموا الأمة أن الخلفاء والعمال والموظفين في الدولة، والقائمين بالحكم في جميع المرافق والأعمال أن هؤلاء ليسوا غير حملة أمانة لمدة
الله
مؤقتة، وأجراء للقيام بمهام الدولة، نظير قوت وكسوة لا إسراف فيها ولا تبذير. فإذا حفظوا هذه الأمانة ورعوا مصلحة الأمة، وأدوها إلى أهلها كما يقتضي الحق والعدل فلهم من الأمة الأجر الذي أسلفنا، أما جزاء إخلاصهم وأمانتهم وجهدهم وصدقهم فعل وعند ربك الجزاء الأوفى. أَمَّا إذا أنسوا من أنفسهم عجزاً عن تحمل هذه الأمانة، وخافوا عاقبة الضياع فليردوا الأمانة إلى أهلها، ولينسحبوا مشكورين سالمين. أما إذا غرتهم أنفسهم، وغلب الشيطان على ضمائرهم، وأرادوا أن يتخذوا مال الله دولا، وعباده خولا، وأن يستأثروا بأكثر مما أعطاهم الحق، فإن الأمة يجب أن تقف في وجوههم، وأن تردهم عن مقاصدهم، وأن تطالبهم بالتزام، الحدود، واتباع السبيل، فإن عرفوا الحق ورجعوا إليه، غفر الله لهم، وقبلت الأمة ذلك، واستمروا في أداء واجبهم والقيام بأعمالهم، والمحافظة على أمانة الله التي وضعت في أعناقهم أما إذا نفخ الشيطان في آنافهم، واستحوذ البطر في نفوسهم، وأخذتهم العزة بالإثم، واستمرأوا شهوة الحكم، فإنَّه يجب أن تقف الأمة لهم بالمرصاد وأن تحاسبهم على أعمالهم، وأن تبعدهم عن مناصبهم ولو بقتالهم فإن قتل المفسدين أهون عند الله من إفساد المصلحين، وظلم المؤمنين والعبث بحقوق المسلمين. هذه الدعوة التي كان يدعو إليها المؤمنون من السلف الصالح، وعلى هذه الدعوة كان الظالمون من ذوي السلطة يطاردونهم شر مطاردة، ليخفوا صوت الحق. وكان أولئك الأئمة العظام لا ينفكون مع دعوة التحرر هذه عن نشر العلم، وبث الخلق الحميد، فكانوا يدأبون على تفقيه عباد الله في دين الله، وتفسير ما خفى عليهم من كتاب الله
أو سنة رسول الله.
منهم
ولما كانت الرقابة الشديدة على أبي عبيدة لا تنفك عن التجسس عنه، وكانت أوامر الظلمة تمنعه من التدريس، فقد اتخذ مدرسته في سرداب خفي طويل، ووضع على مدخله سلاسل من الحديد، فإذا سمع صلصلتها هو وطلابه علموا أن غريبا يريد الدخول إليهم،