الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

الإباضية في موكب التاريخ

121

نشأة المذهب

فأوقفوا الدرس، واشتغلوا بصنع القفاف فلا يشتبه الزائر في أمرهم، فإذا غادرهم وأمنوا عيون الظلمة رجعوا إلى ما كانوا عليه.

وانتقلوا من إدارة معمل لإنتاج القفاف إلى إدارة معمل القلوب والعقول والعزائم. ومع هذه الرقابة الشديدة، والضغط المستمر، والعذاب المر، مع كُلّ ذلك استطاع ذلك الإمام العظيم أن يكون مدرسة إسلامية، تحمل نور الهداية المُحَمَّدية إلى جميع الآفاق، فقد تثقف فيها عدد

لا يبلغه الحصر من المسلمين، ويكفي أنها خرجت حملة العلم إلى المشرق، وحملة العلم إلى المغرب. وإلى هذا الكفاح الطويل المستمر ضد الظلم والظالمين الذي يقوم به هذا الإمام، فإنَّه كان يقوم بكفاح عقلي ديني آخر طويل مستمر، كفاح البدعة فيما تزخرفه العقول المنحرفة، والبصائر الحولاء من القدرية والمجبرة والخوارج تلك العقول التي ابتليت بحب الجدل في ذلك الحين، وترك العمل.

كان أبو عبيدة إلى دينه القويم وخلقه الكريم، وعلمه الواسع، وثباته على المبدأ، واستمساكه بالحق، وجفوته للعصاة، وصموده أمام النوازل جم التواضع، لين العريكة، سهل الخلق، يعترف بقلة الاطلاع، وقصور الباع.

لقد كان مسلماً في دينه وفي، خلقه وفي، عمله وفي، علمه وكان داعية من دعاة الإسلام لا يفتنه زخرف الحياة، ولا تغره زينة الدنيا، ولا يجد الباطل عنده لينا أو هوادة.

إنه خلق الكفاح كفاح الباطل في جميع صوره وأشكاله كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق القوة من ذوي السلطة، وكفاح الباطل الذي يأتي عن طريق العقل في منطق البدعة، وكفاح الباطل الذي يأتي عن طريق العلم في إغفال بعض تراث الأمة، وكفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الجهل في التقليد الأعمى، وكفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الصبر في صورة الوداعة لاحتمال المذلة، وكفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الجزع في صورة الفرار من الصمود لاحتمال النازلة ودرء المصيبة. وهو حين يكافح هذا الباطل في جميع صوره وأشكاله يعرف أن حياة فرد أقصر من أن تقوم بهذه الرسالة الكريمة، ولذلك عمل على تكوين جيل من الشباب الواعي المثقف، العارف بحقيقة الرسالة الإسلامية، المدرك لأسرار شريعتها وأن أوَّل وصف يجب أن يكون عليه