الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

الإباضية في موكب التاريخ

123

نشأة المذهب الإباضي

كلمة لابد منها

قد يرى بعض القراء الكرام في هذا العمل الضئيل الذي قدمته للمكتبة الإسلامية الغنية دعوة إلى مذهب معين أو دفاعًا حارًا عنه كما قال بعض الأصدقاء، وأنا أبادر فأقول: أما حرارة الدفاع فإنني أدافع بما أملك من حرارة عما أعتقده حقا، وذلك من أجل الحق، لا من أجل المذهب؛ لأن الدفاع عن الحق سواء اصطبغ بنظرة مذهبية، أو تجرد عنها، هو الواجب الذي يتحتم القيام به على كُلّ مسلم ..

وأما المذاهب، فإن المذاهب الإسلامية المختلفة في نظري ما هي إلا حداول صغيرة تتفرع عن النبع الصافي الذي أراد خالق الإنسان أن تشرب البشرية منه، وقد انبثق هذا النبع الفياض في زمن غلب فيه الظمأ العقلي والوجداني على حياة الإنسان، فاغترف منه الناس في ذلك الحين ما أذهب ظمأه، وأروى غلتهم، وبعث الانتعاش

والحياة فيهم.

وجاء ناس من بعدهم، فشق كُلّ واحد منهم لنفسه ترعة، وهو يريد الخير لنفسه

وأهله، وعلى مقدار طهارة مجرى الترعة، أو زكاء مسيلها يصل الماء إلى طالبيه .. وقد وقف أصحاب كُلّ ترعة يدعون أن مجرى ترعتهم أنظف وأطهر، وأن الناس يحب أن يشربوا من هذه الترعة إذا أرادوا الخير لأنفسهم؛ لأنها ترعة يتصل بحراها بالنبع الأصلي فعلا، وقد يغفل كثير من هؤلاء الدعاة عما يقع في هذه الترع الطويلة الملتوية التي تسيل متفرعة عن النبع، وأن تغييرًا كثيرًا يصادفها أثناء الجريان في هذه الجداول التي تحفرها معاول الإنسان.

والأمة المسلمة اليوم بجميع فرقها وطوائفها أحوج منها في أي زمن مضى إلى الرجوع إلى الاغتراف من أصل النبع الذي لا يلحقه تغيير ولا يطرأ عليه تبديل تاركة هذه الجداول الكثيرة التي شقها الناس غير المعصومين.