الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

الإباضية في موكب التاريخ

134

الإباضية في ليبيا (1)

ومن المؤسف أن أكثر المؤرخين في مختلف العصور - حتّى في هذه العصور التي كادت تتحرر فيها البشرية من طغيان الفرد واستعباده - لم يتحرروا من هذه النظرية التي لا تفرق بين الأداة الحاكمة والأمة، فتجدهم يلهثون وراء السياسة يحدون لها ويصفقون، حاسبين أن عظمة التاريخ في أن يسيطر رجل أو هيئة على بقاع كثيرة، فيتمتع بما لا يتمتع به غيره من شهوات، ثُمَّ يسجلون ذلك على أنه تاريخ الأمة، أمة ذلك الرجل، أو تلك الهيئة.

إن هذه الصورة لا يُمكن أن يكون فيها تاريخ الدولة تاريخا للأمة. إن تاريخ الأمة بعيد جدا عن هذه المظاهر السخيفة، التي تقدر فيها كرامتها، وقوتها وإنتاجها. أما الصورة الأخرى التي يكون فيها تاريخ الدولة هو تاريخ الأمة، فذلك عندما تكون الأداة الحاكمة خاضعة لقانون الأمة وشوراها، فلا تصدر إلا عن رأيها، ولا تمتاز بشيء عن أي فرد منها، وفي الفتوحات الإسلامية زمن الخلافة الرشيدة أمثلة واضحة لذلك .. إن تاريخ الدولة في ذلك الحين

هو نفسه تاريخ الأمة؛ وذلك لأن ما يصدر عن الدولة هو ما يصدر عن الأمة راضية به راغبة فيه. إن الأمة جمعاء كانت تقوم بالغزوات الفاتحة مندفعة إليها متسابقة إلى القيام بها، دون وعود بالمرتبات أو حصر بالدواوين، أو إكراه بالتجنيد الإجباري، وإنما كانت انتفاضات منبعثة عن عقيدة من أمة كاملة، ليس للأداة الحاكمة منها إلا تنسيق العمل وتنظيم الصفوف .. ولذلك كانت هذه الحركات تاريخ أمة لا تاريخ دولة، وأن الدولة كانت داخلة الأمة، معبرة عنها تعبيراً صحيحا صادقا؛ لأن جميع ما تقوم به من نشاط داخلي أو خارجي كان يصدر عن حقيقتين ثابتين: حكم الدين، ورأي الأمة.

في

أما الحالة الثالثة التي تكون فيها تاريخ الدولة جانبا من تاريخ الأمة، فأعنى به عندما تقوم دولة في قسم من أقسام الوطن، وتحرص هذه الدولة أن تصدر في أعمالها عن حكم الدين ورأى الأمة، وفي التاريخ الإسلامي أمثلة ذلك. من

وَلَمْ أحسب هذا التاريخ تاريخ الأمة؛ لأن الأمة أكبر من ذلك وأوسع؛ فعمل هذه الدولة الصغيرة تعبير عن قسم من الأمة، وهو وإن كان تعبيرًا صحيحا صادقا إلا أنه ينقصه الإجماع أو الأغلبية المطلقة.