الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

الإباضية في موكب التاريخ

135

الإباضية في ليبيا (1)

الوطن الإسلامي

إنني أعتبر الأرض الإسلامية وطنًا واحدًا بحدوده الشاسعة، وعندما أضطر إلى تتبع التقسيمات السياسية الموجودة الآن أحس بالمرارة والألم، ولقد كان تاريخ الأمة الإسلامية في عصوره المختلفة مرتبط الحوادث متحد المشاعر متوافق العواطف مشتبك المصالح، متصل الأجزاء. ورغم ما اصطنعته السياسة من حدود، فأنت حين تسافر من الشرق الأقصى إلى المغرب الأقصى تمر بعدد من الدول، وتتخطى مجموعة من الحدود، وتختلف عليك أشكال من الحكم، وقد تحس بما يعتمل في نفسية هذه الدول من عداوة وبغضاء، وحروب حارة أو باردة، ولكنك في كُلّ ذلك تشعر أنك تعيش في أمة واحدة ربطت بينها العقيدة التي وجهت قلوب أفرادها جَمِيعًا إلى الإيمان بالله، ومحبة الإخوان في الدين، وتجد التاريخ الحقيقي لهذه الأُمَّة التي تنبسط على أكثر قارات العالم، في وحدة الشعور والعاطفة والعقيدة والأمل، وفي طريقة التفكير والكفاح والعمل، وفي الاتجاه الذي يتجه إليه الأفراد والجماعات، وفي عدم اعتراف هذه الأمة بالحدود التي تفصلها عن بعضها، فتخترقها رغم حرس الحدود، والعقوبات المترتبة على ذلك.

عن

إن تاريخ الأمة يكمن في الأعمال اليومية من أفراد وطبقات هذه الأمة في وطنها العام، بعيدا أحداث الدول، هذه الدول التي تفرض سلطانها لتثبت قواعد حكمها، وتقر دعائم نفوذها،

وتسخر كُلّ شيء لإرضاء شهواتها ونزواتها، دون نظر إلى حقيقة الأمة أو مستلزمات الدين. وحين يذهب بعض المؤرخين يتحدثون عن أعمال هذه الدول المختلفة، حاسبين يتحدثون عن تاريخ الأمة الإسلامية، يغفلون عن حقيقة هامة؛ وهي البعد الشاسع بين ضمير الأمة وعقيدتها، وعملها وأملها وبين مجرى الحوادث التي تجري عليها تلك الدول المستبدة .. إن حقيقة تاريخ الأمة أعمق من أن يكون أعمالا تقوم بها دولة دون أن تستمد هذه الأعمال من حقيقتين ثابتتين: دين الأمة، ورأى الأُمَّة الحَقِّ .. وحتى في هذه الحالة لا يكون تاريخ هذه الدولة تاريخا للأمة إلا إذا كانت الأُمَّة كلها مُجتمعة عَلَى اعتبار هذه الدولة واعترافها باء وخضوعها لأحكامها خضوعا شرعيا، حسبما قرره الدين لتنظيم الدولة، مع احترام كرامة