الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٣٩الإباضية في موكب التاريخ
137
الإباضية في ليبيا (1)
الحاكم فردًا أو هيئة .. إِنَّهُم عبارة عن صاروخ موجه، يبعث به الحاكم للتدمير متى شاء، ولن يدخل ضمن آلات هذا الصاروخ البشرى، إلا خائف، أو طامع، أو مخدوع، بالعقيدة، أو الْمَذهَب، أو الشعار، وإلا فما هي مصالح الأمة في نقل أداة الحكم من بني أمية إلى بني العباس أو بني فاطمة، أو بني تميم، أو غيرهم من القبائل والأجناس، وفيم يندفع آلاف من الناس ليحطموا بني أمية، أو يحطموا الحسين ابن علي، أو يحطموا بني العباس؟ وهب أن شخصا أراد أن يجرى تصفية على آلات هذا الصاروخ الذي تستعد دولة من الدول المسلمة، لتضرب به دولة أخرى مسلمة، فأخرج منه كل من دخل فيه بالخوف، وكل من دخل فيه بالطمع، وكل من دخل فيه بالخديعة، والتغرير، حين صورت له الحقائق على ما
هي
ليست عليه ..
هب أن شخصا فعل ذلك فهل يبقى هذا الصاروخ صالحا للعمل؟ وهل يبقى من هذا الجند شيء يستحق أن يطلق عليه كلمة الجيش؟ ويمكن أن يدخل معركة مهما كانت هذه المعركة
صغيرة؟ إنَّه لن يبقى بالتأكيد إلا اليد التي تمسك بزر الصاروخ، وهي تضغط على فراغ. والحقيقة التي أرمي إليها من هذا البحث الطويل، أن تاريخ الدول الإسلامية التي تعاقبت على الحكم، والتي تنازعت عليه، والتي اقتسمته، إن تاريخ هذه الدول ليس هو تاريخ الأمة الإسلامية؛ لأن تاريخ الأمة الإسلامية إنما ذاتها ينبع من ومن نفسيتها ومن الأعمال التي تصدر عنها برغبة ورضا واقتناع دون تخويف أو تطميع أو تغرير. أما تاريخ الدول والأمراء والحكام فهو تاريخ أفراد لا يمثلون أمة، بل كثيرًا ما يكونون أبعد الناس عن الأمة وسيرتها. وَلَمَّا كانت الأمة الإسلامية أمة لها دين وضع لها نظما كفيلة بإسعاد الإنسانية، مجتمعاً وأفرادا، وهذا الدين يساوى في الحقوق والواجبات بين جميع أتباعه، من السلطان أو صاحب الحكم، إلى أدنى رجل من الأمة، فإن أولئك الذين يخرجون عن هذا المنهاج، وينافقون عن دينهم، ويحيدون عن سبيله، لا تحسب أعمالهم عَلَى الأمة، ولا يوضع تاريخهم في مقام تاريخها؛ لأن مسلك الأمة بين، وتاريخها واضح وسلوكها على العموم جار في الطريق الذي اختارته إرادة الله، ليؤدى بهذه الأمة إلى السعادة .. السعادة التي يعلم حقيقتها خالق الإنسان، لا السراب البراق الذي ينخدع به بصر الإنسان.
أمر