الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

الإباضية في موكب التاريخ

138

الإباضية في ليبيا (1)

إن الله قد اختار لأمة مُحمَّد الإسلام دينا، وأوجب على الدولة وأداة الحكم فيه قانونا، فما سارت عَلَى ذلك القانون فهي من الأمَّة، وتاريخها وعملها ومجدها للأمة، وإذا انحرفت بها الشياطين عن سبيل الله، فحسبها متاع الحياة، وما متاع الحياة الدنيا إلا غرور. وَلَعَلْ أوضح صورة لهذه الفكرة هي واقع الأمة الإسلامية في هذا العصر، هذه الأمة التي تنتشر على أفريقيا وآسيا وأوربا، وتاريخ هذه الأمة هو مجموع سلوك أفرادها وطوائفها، تلك الأعمال التي تنبعث في كامل الوطن العام؛ أَمَّا الأعمال التي تقوم بها هذه الدول المتناثرة في كثير من بقاع الوطن الإسلامي فليست من تاريخ الأُمة .. إنَّها تاريخ رجل، أو رجال، وصلوا إلى كراسي الحكم بوسيلة من الوسائل، ومنهم من هو أبعد الناس عن فهم حقيقة الأمة، وحقيقة مشاعرها، وحقيقة أعمالها ومطالبها، ومع أن الأمة وحدة لا تتجزأ، فإن أولئك الذين يتولون الحكم، ويحسبون أنهم أقاموا دولا لا ينفكون يقيمون الحدود بين أجزاء الأمة، ليصنعوا منها أمما مختلفة هذه عربية، وهذه تركية، وهذه فارسية، وغيرها، ولم يكتف أصحاب المطامع والاستعمار حتى هذا، فذهبوا إلى تقسيمها دويلات صغيرة جعلوا منها ممالك وجمهوريات.

إن هذا الشعارات الزائفة، وهذه المبادئ الضالة، أبعد ما تكون عن الإسلام، وعن تاريخ الإسلام .. إنّها جوانب من تاريخ أولئك العدد القليل من الناس الذين نادوا بها، وفصلوا بين أبناء

ومن

الأمة الواحدة، والدين الواحد؛ ليحققوا لأنفسهم شهوة السلطة، وشهوة المتعة، وشهوة المال. الأخطاء التي أوحى بها الاستعمار، فتلقفتها آذان السياسيين من هذه الأمة، فانطلقت بها ألسنتهم وأقلامهم كلمة الصداقة والأخوة تزج بها بين هذه الدويلات المسلمة، القائمة على قطع من الوطن الإسلامي، فيقف الخطيب منهم أو السياسي وهو يحسب أنه أوتي فصاحة سحبان حين يقول: الدول الشقيقة والدول الصديقة وهو يقصد بالدول الشقيقة: الدول التي تحكمها هيئة عربية، أما الدول الصديقة فقد يكون من بينها أعدى أعداء الأمة، وكم أتألم وأنا أسمع خطبا من أولئك الذين يقدر فيهم فهم القضية الإسلامية فهما صحيحا،