الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٤٥الإباضية في موكب التاريخ
143
الإباضية في ليبيا (1)
دخول المذهب الإباضي إلى ليبيا
إن سريان الأفكار والآراء والعقائد من بلد إلى بلد أو من قطر إلى قطر، لا يمكن أن يؤرخ
بالتحديد الزمني. فهي تتسرب تسربا تدريجيا، قد يبطئ وقد يسرع، من فرد إلى فرد،
تتغلب وتنتشر، وعلى هذه الطريقة نفسها دخل الْمَذهَب الإباضي إلى ليبيا. بدأ الْمَذهَب الإباضي يحرر آراءه وعقائده في أواخر النصف الأول من القرن الأول الهجري، وَلَمْ يتم النصف الثاني من هذا القرن حَتَّى كانت الأصول التي تميزه عن غيره من الفرق والمذاهب قد تقررت. ففي البصرة التي كانت من مراكز الإشعاع الإسلامي، عاش إمام الْمَذهَب، التابعي الكبير، جابر بن زيد ما بين سنتي 22، 96 هـ.
ومن هذا المركز الإشعاعي ومن البؤرة التي كان يستضيء بها هذا الإمام. امتد النور إلى مختلف البلاد الإسلامية بصورة تدريجية بطيئة، على طريقة العقائد التي تحارب الباطل بالحجة لا بالقوة، وتتسلح بالحق لا بالسيف، ويعتنقها الناس بالاقتناع لا بالخوف.
ولعل التسامح في معاملة المعتدين من المسلمين والبساطة في مظهر السلطة والحكم، والوضوح في الرأي والعقيدة والصراحة في قول الحق والعمل به، والاستمساك بالواضح من الله، كانت من الأسباب التي ساعدت على انتشار الْمَذهَب الإباضي في أكثر البلاد
دين
الإسلامية.
وفي ذلك الحين، الذي كان فيه المعتزلة يشغلون أوقات الناس بالجدل، وكان الأزارقة ومن ذهب مذهبهم ينطلقون في الأوساط الإسلامية المسالمة، يبتزون الأموال، ويقتلون الرجال، ويستحلون سبي النساء والأطفال، وكان الشيعة عاكفين على وضع الأحاديث في فضائل بني هاشم، وتحبير الخطب البليغة على لسان علي بن أبي طالب والتغني بعصمة أهل البيت، وكان أهل السنة والجماعة (1) من أتباع معاوية منهمكين في مكافحة ثورات الخوارج وابن
1) جعل معاوية سب علي بن أبي طالب على المنابر سنة، وسمى أتباعه أهل السنة، ولَمَّا تنازل الحسن عن الخلافة زاد لفظ الجماعة فسماهم أهل السنة والجماعة.