الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

الإباضية في موكب التاريخ

148

الإباضية في ليبيا (1)

بقي ابن مغطير في التدريس والفتوى، حَتَّى تخرجت البعثة العلمية في البصرة، ورجعت إلى المغرب الإسلامي باسم حملة العلم إلى المغرب" فامسك ذلك العلامة البطل عن الفتوى،

معتذرا بأن حملة العلم أولى بالفتوى؛ لأنهم أخذوا عن الإمام بعد أن حرر جميع الأقوال. إن ابن مغطير هو أول ليبي فكر في تكوين البعثات العلمية، ونفذ الفكرة في نفسه وتبعه الآخرون. والوطن الليبي بل المغربي مدين لهذا الجندي المجهول الذي يقطع هذه المسافات الطوال من ليبيا إلى العراق في ذلك الزمن الذي يعسر فيه الانتقال منفردًا وحيدا، يحمل مشعل العلم والنور إلى وطنه، حتَّى يستنير به أبناء هذا القسم من الأمة العظيمة في هذا الطرف من المملكة الشاسعة التي لم تتح لها ظروف الفتح أولا، والثورات الحمقاء المجنونة ثانيا - لم تتح لها هذه الظروف غير

المستقرة أن تهتم بقضية العلم والتعليم، التي هي أهم رسالة يدعو إليها الإسلام ويطالب بها بنيه. ومع هذا المجهود الجبار الذي يبذله هذا البطل لخدمة الأمة وإعلاء كلمة الله، يمر عليه التاريخ فلا يشير إليه إلا إشارات عابرة كما يشير إلى أي شخص عادي. ومع ذلك فالرجل راض عن هذا الموقف من التاريخ، ونحن أيضا راضون له بهذا الموقف من التاريخ؛ لأنه عندما كان يقدم على ألوان الكفاح، واقتحام العقبات والصعاب لم يجعل في عمله حسابا للتاريخ، أو لرأي الناس فيه، أو لمدح

المحبين، ونقد المبغضين. لقد كان عمله خالصا لله، وقد علمه الله، وعنده وحده يكون الجزاء.

ومهما يكن، فقد فتح الطريق للبعثات واستجاب لأمر الله، حين أوجب عَلَى طائفة المسلمين أن يتفقهوا في الدين، لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، وربط الصلة بين مشرق الأمة ومغربها، ودعا إلى تطبيق أحكام الله، وتنفيذ أوامره، حسبما كان معروفا في زمنه وفي زمن الخلفاء الراشدين، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقافا عند حدود الله، لا يتدخل فيما لا يعنيه، ولكن عندما يجترئ مجترئ عَلَى الحق يقف له موقف المؤمن الغيور الذي لا تأخذه في الله لومة لائم.

وقد بارك الله في عمره، فامتدت به الحياة إلى أن جاء الإمام عبد الوهاب إلى جبل نفوسه، فكان يحضر مجلسه على كبر سنه. ولعل في الحادثة الآتية مثلا رائعا لمن أراد أن يقتدي بأعلام الإسلام وأدبهم في إقامة الحق واتباع دين الله: ارتفع رجلان في خصومة إلى الإمام عبد الوهاب،