الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٥١

الإباضية في موكب التاريخ

149

الإباضية في ليبيا (1)

فاستردد الإمام المدعى عليه الجواب، ولكن الرجل اعتز بالإثم وَلَمْ يجب الإمام، فسأل الإمام عن ابن مغطير، فأجيب بأنه غير موجود، فقال للخصمين قوما إلى غد، ورجع إليه الخصمان في اليوم الثاني والثالث، فكان موقفهما منه مثل موقفهما في اليوم الأول. وفي اليوم الرابع عندما تخاصما من جديد وطلب الإمام إلى المدعى عليه أن يجب فلم يجب، سأل الإمام عن ابن مغطير، وكان بناحية من المسجد، فما أتم الإمام سؤاله حتّى وثب ابن مغطير - وكان شيخا طاعنا في السن - على الممتنع، فوطئه بركبته، ولَمْ يتركه حتَّى استغاث بالإمام وأذعن للحق. وفي القصة مثل رائع عن خلق هؤلاء الأئمة وأدبهم هؤلاء الأئمة الذين لا يرتفعون عن الأمة ولا يحتجبون عن أفراد الشعب، ولا يتخذون قصورًا دونها حرس وحجاب، وَإِنَّمَا كانوا يجلسون في المساجد كما يجلس أي مسلم وهم يتولون شؤونها، وينظمون أمورها، ويفصلون مشاكلها بروح الإسلام الذي يفصل بين الناس بالعدل لا بالقوة، وبالحق لا بالغطرسة، وبالبساطة لا بالتبجح والدعوى.

وفي القصة مثل آخر رائع ضربه ابن مغطير هذا الشيخ الهرم، الذي حضر دروس أبي عبيدة قبل أن يحضرها أبو هذا الإمام، وامتدت به الحياة حتى رأى هذا التجني على الحق والاستكبار عن أمر الله وإساءة الأدب أمام أمير المؤمنين فأراد أن يعلم الحاضرين في المسجد أن القوي أمام الحق ضعيف وأن الضعيف إذا كان في جانب الحق قوي. بل أراد أن يعلم أولئك الحاضرين أن الحقوق لا تعطل لاستكبار المستكبرين واعتزاز الآثمين بالإثم، فإذا خطر لأحدهم أن يقف هذا الموقف، وجب على أولئك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أن يتناولوه بالشدة وأن يعلموه بالأدب.

أما العبرة الثالثة التي تستخلص من هذه القصة، فهي هذا الاحترام العظيم الذي يسبغه الإمام العظيم على العالم العظيم. إن عبد الوهاب لم يتوقف عن تأديب هذا الشخص خوفا منه، ولا جهلا بأحكام الله، ولا تساهلا في دين الله، ولكنه أدب طبع عليه، وتقدير لهذا العلامة الذي يجب يستشعر كل مسلم في ذلك الحين عظمته وطموحه ومحبته لدين الله، وكفاحه من أجل العلم. إن ابن مغطير، هذا الرجل الذي جاب الآفاق طلبا للعلم، وعاش للتدريس والفتوى، تم

أن

حمل أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لمثل حي يجب أن يقتدي به المؤمنون …