الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

الإباضية في موكب التاريخ

153

الإباضية في ليبيا (1)

إن الإسلام قد حرم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولَم يبح منها شيئًا لوساوس الحكام وتخيلات العمال وأوهام الأمراء، ومكائد الحواشي …

إن رجلا يتولى أمر جماعة من المسلمين فيبلغ به الهوس إلى هذا الحد حقيق أن تثور عليه الأمة، وتقتص منه للحق والعدالة، وقد ثارت الأمة واقتصت …

ثارت بالطريقة التي يدعو إليها الإسلام وفي الحدود التي جعلها المشرع

واقتضت بالطريقة التي يدعو إليها الدين والعقل والإنسانية في أسمى معانيها. ولا أريد في هذه القضية أن أرجع إلى مصادر الإباضية في التاريخ، ولكنني أعتمد أيضا على الأستاذ الزاوي في كتابه "تاريخ الفتح العربي في ليبيا " فاستمع إليه يقص علينا قصة

هذا الثأر " وما زال الإِباضية في غضبهم حَتَّى نزعوا إلى الفتنة، وتقدم إلى قيادتهم أحد رؤسائهم وهو عبد الجبار بن قيس المرادي (1)، فالتفوا حوله، وأعلنوا الثورة على العكي، فخرج لمحاربتهم، وأناب عنه في القيام بشؤون المدينة "بكر بن عيسى" فحاصروا العكي في بعض الأمان فأمنوه، وأخذوا من أصحابه نصير بن راشد مولى الأنصار

القرى، فطلب منهم

فقتلوه في عبدا لله بن مسعود التجيبي". لست أدرى لماذا يريد الأستاذ الزاوي أن يرمي الإباضية بطلب الفتنة، وهو نفسه يقرر أن الإباضية لم يقوموا ضد هؤلاء العمال الظالمين بشيء، حَتَّى بدأ هذا العامل الموسوس

عدوانه عليهم فقتل رئيسهم دون جريرة، فثاروا ولما انتصروا لم يزيدوا عن قتل واحد، رجل برجل حسب أمر الله أما العامل العكي فقد أطلقوه في أمان بعد أن تم لهم

النصر.

إن هذا الموقف المشرف لم يقفه عامل واحد من عمال بني أمية أو بني العباس في حروبهم ضد أي طائفة من المسلمين، وفي حروبهم الطويلة مع الإباضيَّة، وَلَمْ يتجاوز أئمة الإباضية هذا الموقف المشرف في جميع حروبهم مع الموحدين.

1) بويع الحارث بن تليد وعين زميله وصديقه عبد الجبار قاضيا، خلافا لما ظنه الزاوي.