الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

الإباضية في موكب التاريخ

108

مكائد، وقد

الإباضية في ليبيا (1) ومع أن الحق في هذه القضية واضح جلى، والأستاذ الزاوي نفسه يروى حقائق التاريخ كما وقعت، إلا أنه مع ذلك غير راض، فيزعم أن الإباضية يترعون إلى الفتنة، ويثير قضية العرب والبربر هذه القضية العنصرية البعيدة عن روح الإسلام ولكنه حرص أن يحييها ويتتبعها، ولا ينفك في كل فرصة عن رمى البربر بأنهم أصحاب فتنة، وتدبير قدمت في غير هذا الفصل من هذا الكتاب أن أحياء العنصرية قضية لا يدعو إليها مسلم، فقد حاربها رسول الله، ويكفي فيها قوله ال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنتنَة» (1). وقد حارب رسول الله الله أقوام من العرب، وارتد أقوام بعد الإيمان، كما فعل ذلك أقوام من البربر وغيرهم من الأجناس، ولكن ما فعله أولئك الذين كتب لهم الشقاء، لا يحسب جريرة على أجناسهم أو عناصرهم والإباضية يحرصون كل الحرص أن يكون الرابط الذي يربط بين صفوفهم إنما هو التمسك بدين الله، كما جاء عن مُحمَّد، وَلَمْ يكن لديهم أي اعتبار لغير هذه الرابطة، وحسبك أن تعلم أن هذا الإمام الذي بايعوه في ثورتهم على الظلم، ليناهض عدوان المعتدين من عمال بني العباس الظالمين، إنما هو الحارث بن تليد الكندي العربي، فهل هذه الثورة فتنة من البربر؟ إن الإباضية لا يعرفون العنصرية، ولكن يعرفون أن أكرم المؤمنين عند الله أتقاهم، وأن أبغضهم إليه أظلمهم وأعصاهم يستوي في ذلك العرب والبربر والهنود الحمر والأحباش السود، كلكم لآدم وآدم خلق من تراب.

إن مرارة العدوان على أقدس شيء في شريعة الإسلام وهي النفس البشرية، هي التي جعلت الإباضية يثورون، وحق لهم أن يثوروا، وأن يقلبوا نظام الحكم على أولئك الظالمين، فإن حكم الله أحق أن يتبع، وهم عندما يثورون لا يطغون ولا يتجاوزون الحدود التي رسمها لهم حكم الله.

والأستاذ الزاوي على ذلك من الشاهدين، فإن قتل النفس بالنفس هو الحكم الذي نزل به الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولن تجد مهما فتشت في

(1) أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله (4622. ومسلم مثله، 2584. (المراجع)