الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٥٧الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
من
مطاوي التاريخ، وعند غير الخلفاء الراشدين، هذه المواقف المشرفة التي يقفها الإباضية أعدائهم، حين ينهزم أولئك الأعداء؛ يخير أمير الجند وقائد المعركة بين البقاء أو الرحيل آمنًا موفوراً، وتسلم جَمِيع الأموال والأعراض لأصحابها، لا يمس منها دانق ولا درهم، وتحرم الدماء، فلا تحرق قطرة دم بعد إيقاف القتال فلا عقوبة ولا تتبع، ولا مثلة ولا حز
رؤوس.
قارن هذا الموقف المشرف الذي لن تجده بعد الخلفاء الراشدين إلا عند الإباضية، قارن هذا الموقف بمواقف أولئك الذين يحاربون الإباضية ويتهجمون عليهم، ويقتلون منهم الأبرياء بغير ذنب ويهتكون الحرمات ويستحلون الأموال ويحزون الرؤوس ليبعثوا بها إلى دمشق أو بغداد … ومع ذلك فإن بعض المؤرخين الذين يعيشون في القرن العشرين، يحلوا لهم أن يقولوا: "ونزع الإِباضية إلى الفتنة".
أية فتنة هذه التي نزع إليها الإباضية أأن قتلوا القاتل نفسا بنفس فحسب وأطلقوا سراح بقية المعتدين لم يمسوا شيئا من دمائهم وأموالهم وأعراضهم وحرماتهم؟ لا يتبعون مدبرًا، ولا يجهزون على جريح، ولا يأخذون دائقًا من مال؟ ترى ما رأى هذا المؤرخ المعاصر لو أن الإباضية ارتكبوا ما يرتكبه فيهم محاربوهم، فلم يعفوا عن مال أو دم أو عرض أو حرمة؟
وما رأيه لو أن جميع الحروب التي وقعت في التاريخ الإسلامي كان الدافع إليها والسيرة فيها مثل دوافع الإباضية وسيرتهم في الدماء والأموال.
لقد كان الخوارج يستحلون دماء المسلمين وأموالهم بالتأويل الخاطئ، أما رجال الدول الظالمة وأجنادهم فقد كانوا يستبيحون جميع الحرم من دم ومال وعرض بالعمل. وكلا الموقفين بعيد عن الإسلام ومبادئ الإسلام …