الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٥٨الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
عمر و بن يمكنن)
مؤمن من المؤمنين المخلصين، وبطل من أبطال الكفاح .. كفاح النفس عن الشهوة، وكفاح الجهل بدين الله، وكفاح الظلم والعدوان في شتى مظاهره وألوانه. قال فيه أبو العباس، وحسبك بشهادته شهادة ساد" أهل زمانه علما وعملا، وسارع
إلى الخيرات قولا وفعلا، قال ابن سلام كان عالما من علماء المسلمين".
وهي شهادة من محقق، لا تقل عن سابقتها لو كان الرجل يحتاج إلى شهادات، ولكن هذا البطل وأمثاله من الأبطال في غنى عن شهادات الناس لدينهم ولدنياهم.
كانت أمنيته وهو شاب صغير لا يجد مدرسة يلتحق بها، أن يحفظ كتاب الله، وأن يعلمه للناس، ولما عسر عليه هذا المطلب، وعز عليه تحقيق الأمنية الغالية في قريته النائية في جبل نفوسة، سافر إلى مغمداس .. هذه الطريقة التي يَمُرّ بها أفواج المسلمين مشرقين أو مغربيين، فيأخذ معه لوحه منذ الصباح الباكر، يعترض السابلة، يتلقى منهم آيات من كتاب الله حَتَّى إذا امتلأ لوحه رجع إلى البيت ليستظهر ما كتب من آيات بينات، فإذا حفظها رجع إلى الطريق، ولم يمض عليه وقت طويل في هذا الكفاح حتَّى حفظ كتاب الله وكثيرا من سنة رسول، وحينئذ اطمأنت نفسه ورجع إلى "أفاطمان"، هذه القرية الحبيبة إلى نفسه، والتي لم يبق منها اليوم إلا آثار شاهدة بين الحرابة والرحيبات من جبل نفوسه. وفي هذه القرية فتح عمرو ابن يمكنن أوَّل مدرسة لتعليم كتاب الله، فكان الناس يقبلون عليه
في شغف ورغبة.
لقد أنجبت دَمْرًا بنت دَرْجو الحمدانية هذا البطل وهو أصغر أبنائها وحسبها ولدا. كافح مفردًا فحفظ كتاب الله من السابلة وافتتح أول مدرسة قرآنية، ما لبثت أن أصبحت مناراً يشع النور والعلم والإيمان في كامل جبل نفوسة، بل في كامل الجزء الجنوبي من ليبيا، وصارت " أفاطمان " منذ ذلك الحين مقراً لأهل العلم والفضل والدين.
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الثالثة؛ فهو من علماء النصف الأول من القرن الثاني الهجري. كان عاملا للإمام أبي الخطاب على سرت ونواحيها.