الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في ليبيا (1)

أما عمرو بن يمكتن فلم يلبث أن أنتقل من أفاطمان، انتقل ليكافح كفاحا أعظم خطرًا وأهم شأنا في واجهة أخرى.

بايع الإباضية أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح أميرًا للمؤمنين على ليبيا وما جاورها، بايعوه عَلَى أن يقيم فيهم كتاب الله، ويحكم بينهم بحكم الله، سيرة الخلفاء ويسير الراشدين، وأن يرد عنهم عدوان المعتدين، وطغيان الطاغيين وسارع إليه المؤمنون الذين ملوا الجبروت والجور والظلم، وكان من أسرعهم إليه وأخلصهم لإعادة حكم الإسلام كما أنزله الله، عمرو بن، يمكتن وعرف الإمام دينه وخلقه وأمانته فوثق به، ومَنْ لا يثق بمثل هذا الرجل القوى الأمين؟ فجعله قائدًا عَلَى بعض الجند في حروبه الأولى، ثُمَّ عينه عاملا عَلَى سرت، ومن أولى بعمالة سرت من عمرو بن، يمكتن هذا الرجل الذي عرف مسالك البلاد وطبائع أهلها وهو طالب علم يقتبس الحكمة والهدى من حملة كتاب الله.

"سرت" هي طريق العباسيين للعدوان ونجدة المعتدين ولذلك كان أبو الخطاب يلتمس لها عاملا تتوفر فيه معرفة البلاد وطبائع أهلها، والقوة في دين الله والعلم بأحكام الله،

والشجاعة في مواطن الكفاح واليقظة والحذر والذكاء.

ووجد هذه الصفات في هذا البطل، فجرى به التعيين.

وذهب العالم الحافظ البطل إلى هذا الثغر ليحول دون غارات الأعداء، وليذيق سكان

تلك الجهات طعم السيرة المرضية، السيرة التي دعا إليها دين الله، وسار بها المؤمنون حقا. لقد اتخذ أبو الخطاب مركز الدولة في طرابلس وكانت أهم الثغور عنده هي سرت والقيروان، واختار الإمام أقوى رجلين عنده ليجعلهما في هذين الثغرين، فولى عمرو بن يمكتن الأفاطماني على سرت وولى صديقه وزميله في الدراسة عبد الرحمن بن رستم على

القيروان.

وهذا يَدُلُّ أن منزلة والي "سرت " في ذلك الحين لا تقل عن منزلة عبد الرحمن في نفس أبي الخطاب، ولعل مركز سرت في ذلك الحين وهي معبر الجند والقوات أهم من مركز القيروان وهي مقصد الخوارج والمعتزلة وموطن الثورات والشغب.