الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٦٠الإباضية في موكب التاريخ
158
الإباضية في ليبيا (1)
أخذ العامل الحازم يعمل بما يقتضيه هذا المنصب: ينشر العدل، ويوصل الحقوق ويقيم أحكام الله ويسير بين الناس سيرة المؤمن بين إخوانه المؤمنين، وكان مستعدا لمحاربة الجيوش
تلك
الغازية، لا يخشاها، وقلوب الناس معه وهم راضون عنه محبون له، ولم يكن يخشى من الجيوش إلا المباغتة حينما ينصرف الناس إلى أعمالهم وقد أمنوا العدو. ولذلك فقد كان لا
ينفك يسأل عن تحركات العدو ونواياه، ومن مأمنه يؤتى الحذر.
إن عمرو بن يمكن الذي يسير بسيرة أبي الخطاب لم يكن يتخذ جندًا مقيما تدفع ا الرواتب، وهو ينتظر الساعة التي يدعى فيها إلى الحرب كما يفعل بنو العباس، ولما كان يسير سيرة الخلفاء الراشدين، عندما يحزب الأمر ويقتضي الدفاع أو إعلان الحرب، يدعو الناس إلى التطوع فيتطوعون وهم يؤمنون بالفكرة، ويحاربون عن مبدأ، حاولت الجيوش العباسية أن تحارب أبا الخطاب علنا فلم تسطع، وانهزمت هزائم منكرة في عدة وقائع، ولذلك لجأت إلى الحيلة.
كان محمد بن الأشعث الذي عينه أبو جعفر المنصور لمحاربة أبي الخطاب، وجعل تحت قيادته جيشا يتكون من سبعين ألف جندي معد للقتال يعرف أنه لا يستطيع أن ينازل هذا الإمام القوي في جند يحارب عن مبدأ، ويدافع عن حق، فلجأ إلى الحيلة. أوعز إلى من يخبر عمرو بن يمكتن عامل الإمام أبي الخطاب أن محمد بن الأشعث لا يحاربه إلا علنا، وفي وضح النهار، وقال له: "لا يأتيكم ابن الأشعث بغفلة، وهو في جند أمير المؤمنين برجال مشمرين وخيل، مضمرات وسيوف مهندات، بل يأتيكم جهارًا نهارًا"، وهكذا أمن عامل أبي الخطاب على سرت من المباغتة، ثُمَّ أظهر ابن الأشعث أنه ينوي الرجوع، وأمر جيشه بالتحرك، وقتل من اعترض الفكرة، فكره الرجوع، فانطلت حصاد الحيلة على أصحاب أبي الخطاب وهم كما قلت سابقا متطوعون، والموسم موسم ففضلوا أن يذهبوا إلى كفاحهم من أجل الحياة ما دام الخطر بعيدا، ورغم تحذير أبي الخطاب لهم وفهمه لنوايا ابن الأشعث، إلا أن القوم تفرقوا، وعندما فهم ابن الأشعث أن حيلته انطلت على أصحاب أبي الخطاب، وأنهم تفرقوا عنه أغذ السير، وجاءهم على حين غفلة،