الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٦٣الإباضية في موكب التاريخ
161
الإباضية في ليبيا (1)
وعندما عرف عبد الرحمن أن القوة لا يمكن أن تنتصر عَلَى الحق، وأن الجند الذين يحاربون عن متاع من الدنيا قليل لا يمكن أن يقفوا في وجه جند يدافعون عن مبدأ اعتنقوه، وحق اعتقدوه، عندما عرف ذلك لجأ إلى الحيلة.
لقد كان الإمام الحارث يسير بسيرة الصفوة من حكام الإسلام، لا يتخذ حاجبا ولا يجعل على باب بيته حارسًا، ولا يرد عنه متظلم أو باك، ولذلك كان الناس يغشون بيته في أي وقت شاءوا ليس بينهم وبينه إلا الإذن الذي فرضه أدب الإسلام على المؤمنين.
واستغل العدو هذه السيرة العطرة في أبشع ما يستغل به الحق للباطل، فقد أوعز إلى جماعة ممن لا دين لهم ولا ضمير، فدخلوا عَلَى الإمام وكان قاضيه وصديقه معه، دخلوا في صورة متخاصمين، ولما اطمأنوا إلى أن الإمام والقاضي مستغرقان في تفهم المشكلة المعروضة عليهما ليحكما فيها بما أنزل الله وهما غير مسلحين وثبوا عليهما وقتلوهما، وجعلوا في يد كل واحد منهما سيفًا، ثُمَّ خرجوا، وكأنهم لم يرتكبوا أفظع جريمة يرتكبها رجل سلب الإيمان
والضمير.
واكتشفت الحادثة فيما بعد، واعتقد كثير من الناس أن الصديقين تنازعا فقتل كل منهما صاحبه، وكثر النقاش في معرفة الظالم من المظلوم، وَلَمْ تنجل الحقيقة إلا بعد أن وجد عبد الرحمن بن حبيب الفرصة التي يتحينها، فحينما كان الإباضيَّة في موقف الحائر المتردد في معرفة الحادثة والأسباب الداعية إليها، وعندما كان العارفون منهم يحاولون أن يوحدوا الصفوف والجهود فكانوا يسترشدون برأي إخوانهم في المشرق وكان الرسل يقطعون المسافات الطويلة ذهابًا وإيابًا، في هذا الحين استطاع العامل القيرواني أن يكسب المعركة. وأن يرجع إليه حكم البلاد. وهكذا نجحت المكيدة حينما فشلت القوة، ولم تزل المكائد والغيلة هي سلاح الظالمين في كل عصر ومصر.