الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٦٤الإباضية في موكب التاريخ
162
الإباضية في ليبيا (1)
الله،
أبو الخطاب عبد الأعلى
كانت دروس أبي عبيدة في معاني الحرية، وفي الكرامة البشرية وفي وجوب إقامة شعائر والمحافظة على حقوق الإنسان التي أقامها الإسلام، وفي تحريم الخنوع والذلة والاستسلام على المؤمنين، وفي وجوب محاربة الطغاة ومطالبتهم بالوقوف عند حدود الله، كانت تلك الدروس الدينية والوطنية قد أثرت تأثيرها الحسن على نفوس طلابه الذين لقبوا فيما بعد " بحملة العلم إلى المغرب " ولذلك فقد سألوه عندما أخذوا حظهم من العلم، وتحصلوا على الدرجة التي تؤهلهم لتبليغ الدعوة، الدعوة إلى دين الله كما جاء به رسول، سألوا الإمام الكبير هل يجوز لهم إذا أنسوا في أنفسهم قوة ورأوا أنهم يستطيعون أن يقيموا أمر الإسلام على ما جاء في دين الله وسيرة السلف الصالحين، هل لهم أن يقوموا لذلك؟ واستمع الإمام إليهم وهو يتوقع منهم خيرًا وأذن لهم في العمل، واختاروا لهم أبا الخطاب ليقوم بأعباء الدولة المسلمة الجديدة، فإن امتنع قتلوه وولوا غيره.
أما
ورحل الزملاء الأصدقاء الذين ربطت بينهم أواصر الدين وزمالة الدراسة، فاختاروا ليبيـ لأقامتهم، واستقروا بعاصمتها، طرابلس، هذه المدينة الجميلة الحالمة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، أما البلاد التابعة لهذه المدينة فقد كانت تمتد في الأقطار الثلاثة: ليبيا، تونس، الجزائر، هذه الأقطار التي أصبحت اليوم ممالك مستقلة عن بعضها بما أقامه الاستعمار من حدود بينها في ذلك التاريخ فإن الإسلام لا يقيم الحدود ولا يقسم الشعوب، ولا يعرف القوميات الطبقية، ولا الجنسيات المختلفة، إن المبدأ الذي يؤمن به الجميع هو: «الله ربنا، والإسلام ديننا، ومحمد نبينا، والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا رضينا بحلاله حلالا، وحرامه حراما، لا نبتغي به بدلا، ولا عنه حولا لا جنس ولا لون ولا وطن، فالجنس هو البشرية، والوطن هو بلاد الإسلام، أما اللون فإن الأبيض والأسود والأصفر والأحمر كلها من خلق الله الذي أحسن كل شيء خلقه ثُمَّ هدى». استمرت البعثة العلمية في طرابلس وكانت البلاد في ذلك الحين تعانى من الظلم والجبروت وتقاتل الولاة على مناصب الدولة لابتزاز الأموال، واستذلال الناس، والحكم بالهوى الذي ما