الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

الإباضية في موكب التاريخ

164

الإباضية في ليبيا (1) ودفع المنكر الذي يؤتى علنا في بلد مسلم وبين أناس مسلمين فاجتمع عليه عدد وافر من أهل البصائر الذين يؤثرون الآخرة عَلَى الحياة الدنيا، فأمر مناديًا ينادى في الجيش، من كان له أبوان أو أحدهما أو له عروس جديدة فليرجع بليل، وفي الصباح يتقصى الأثر حتى إذا انقطعت الآثار الراجعة ولَم يبق معه إلا أولئك الذين عزموا عَلَى الاستماتة في كفاح الباطل.

سار بهم حتى أتى قابسًا فاحتلها دون عناء وجعل عليها واليا، ثُمَّ سار إلى القيروان. لقي جموع ورفجومة فقاتلهم حَتَّى الهزموا، فتحصنوا بالمدينة، فبقى محاصرا لها مدة طويلة حتى اضطروا إلى القتال من جديد، ووقعت بينهم موقعة هائلة، أسفرت عن الهزامهم، فأمر بأن لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يؤخذ شيء من أموالهم، وأعلن الأمان للناس، فخرج الناس إلى أعمالهم كما كانوا يفعلون أيام السلام ومرت امرأة بميدان القتال وعجبت حين وجدت قتلى ورفجومة مجندلين في ساحات الكفاح دون أن يمس شيء من أسلابهم، فقالت: كأنهم" "رقود وَسُمِّيَ المكان منذ ذلك اليوم "رقادة" وإن حاول بعض الناس فيما بعد أن يغير هذا الاسم.

وكانت مفاجأة مذهلة للناس عندما وجدوا مزارعهم وحقولهم وثمارهم سليمة لم يمس منها شيء إلا إذا كان من تقلبات الجو أو وحوش الصحراء، وعجبوا من عدل هذا الإمام، ونزاهته وطاعة الجيش، له وغفلوا أن هذا الجيش لم يتكون من جند يعملون لمكاسب الدنيا من رواتب يقبضونها، وغنائم يختلسونها، وإنما قوام هذا الجند قوم يدافعون عن الحق والدين، لا يبتغون عرضا من الدنيا، ولا غنيمة في هذه الحياة القصيرة، ولا جاها عند الناس، وتفقد الإمام القتلى، فوجد واحدا منهم قد أخذ سلبه، فأمر برد كل ما أخذ ولكن الغال لم يسمع لأوامر الإمام واحتفظ بالسلب وغلب عليه الشيطان وعندما رجع الجيش بعد أن دفع المنكر عن الأمة وأشاع الأمن في البلاد، وأرجع الحقوق إلى أهلها، وعندما رجعوا وكانوا بالطريق خطر لهم أن يتسابقوا. ووقع السباق بين الفرسان لإظهار البراعة والرشاقة، وكان جميل السدراتي ممن يثق بنفسه ويعجب بفرسه فاشترك في هذا السباق، ولكن شاء له سوء حظه أن ينقطع حزام سرجه، وأن ينكشف السلب تحته؛ وأن يشهد فضيحته كل الجيش فأدبه الإمام على خرقه لنظام الجيش واستحلاله لمال المسلمين وغلوله لما حسبه غنيمة.