الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٦٩الإباضية في موكب التاريخ
167
الإباضية في ليبيا (1)
حربا طاحنة حَتَّى أخرجها من القيروان - هذه المدينة التي وضع الحجر الأساسي فيها أصحاب رسول ال فطهر مسجد عقبة من دواب ورفجومة.
الأشعث:
وأبو الخطاب حين يهاجم هذه القبيلة الباغية لم يهاجم غيرها من القبائل والبلدان. فقد قام بأمر الإمامة في طرابلس دون أن يريق قطرة دم أما حروبه فيما بعد فهي رد للعدوان الذي تشنه عليه جيوش العباسيين المتعاقبة. وفي جميع تلك الحروب الظالمة التي انتصر فيها أبو الخطاب سواء في ورداسة أو في مغمداس أو في غيرها، كان أبو الخطاب مثالا حيا لسيرة الخلفاء الراشدين، لا يتبع مدبرًا ولا يجهز على جريح، ولا يغنم مالا. ولا يعاقب على الموقف المضاد في الحرب، ولا ينتقم من قادة وزعماء الفريق الثاني، ولا يصل منه ولا من جيشه أي أذى للبريء والمسالم. وعند ما خرج محمد الأشعث من مصر إلى لقاء أبي الخطاب، أرسل عيونا بن يستطلعون له الأحوال، فلما رجعوا إليه سألهم فقالوا: أنطيل أم نجمل، فقال ابن بل اجملوا. قالوا: " رأينا رهبانًا، بالليل أسودًا بالنهار، يتمنون الجهاد بلقائكم كما يتمنى المريض لقاء الطبيب. لو زنى صاحبهم لرجموه، ولو سرق لقطعوا يده، خيلهم من نتاجهم، ليس لهم مال يرتزقون منه، وإِنَّما معاشهم من كسب أيديهم (1)، أترى أنك واجد هذا الوصف في غير الرعيل الأول من أمة محمد. يرى الأستاذ الزاوي كما نقلت عنه في أول هذا الفصل أن الحروب التي قام بها أبو الخطاب كان يقصد منها إلى التوسع والسيادة، وهو جد عليم أن أبا الخطاب لم يقبل هذا الأمر إلا مكرها، وبعد أن أفتى أعظم إمام ديني في ذلك العصر بقتله إن امتنع عن تحمل هذا العبء الذي يختار له القوي الأمين.
وهل من علامات حب السيطرة والعلو أن يستولي أبو الخطاب على طرابلس دون إراقة قطرة من الدم وأن يخير حاكم البلد بين البقاء في أمته وبين إخوانه آمنا أو الرحيل إلى سلطانه موفوراً؟ وهل من حب السلطة والتوسع أن ينتصر القائد ثُمَّ يتفقد قتلى العدو
1) الشماخي: السير، ص 130.