الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٧٠

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في ليبيا (1) ا

فيجد واحدا منهم مسلوبًا فلا يقر له قرار حَتَّى يعرف السالب ويؤدبه، وهل من حـ التوسع والنفوذ أن يحارب المحارب وينتصر ولكنه يعرض عن جَميع المكاء والغنائم؟ وهل من علامات التوسع أن يبقى جيش متكون من ستة آلاف محارب محاصراً لمدينة كالقيروان مدة تطول أو تقصر، ثُمَّ يخرج أهالي المدينة إلى حقولهم فيجدونها سالمة لم يتغير منها إلا ما غيرته عوامل الطبيعة من ريح ووحش. وهل يجد المتتبع لحوادث التاريخ صورة واحدة من هذه الصور الرائعة عند أولئك الذين يهاجمون أبا الخطاب، ويوالون عليه الحرب؟ إنَّه لن يجد بالتأكيد إلا عدوانًا وظلمًا وسرقة وغلولا، وارتكاب الفواحش في الأنفس والأعراض والأموال، لا يسلم منهم برئ ولا مذنب، وهم حين تتاح لهم فرصة النصر لا يبقون على جريح، ولا يرجعون عن فار، ولا يسلم منهم مسالم، ولا مال ولا عرض. ثُمَّ هم يتجاوزون كُلّ ذلك إلى المثلة وتشويه خلقة الله وقطع ينجو منهم الرؤوس لنيل الحظوة بها عند ملوك البغي في الدنيا.

ويقول الأستاذ الزاوي في كتابه «الفتح العربي»: "ومهما بلغت كثرة جيش يذهب من مصر لغزو أفريقيا فلا يمكن أن تصل واحدا من عشرين من جيش البربر الذي يمكنهم أن يعدوه لمقابلة هذا الجيش، ولكن النصر بيد الله والله مع الصابرين". هذا كلام الأستاذ الزاوي، بحروفه، وهذا التلميح لا يصدر من مسلم سليم الصدر، العقيدة، وأنا حين أنقل هذا الكلام عن الأستاذ وأضعه بين أيدي القارئ الكريم فَإِنَّمَا أريد أن يتأمل المنصف ما يدسه كتبة التاريخ عن الأمة، وما يوحون به للناس من زيغ عَلَى أن قضية النصر والهزيمة في الحادثة التي يشير إليها الزاوي – إذا سلمت من

صحيح

المغالطة - واضحة!

إن مُحمَّد بن الأشعث أعد له جيش كامل يتألف من خمسين ألف مقاتل على أوسط الأقوال، تدفع الأجور من بيت مال الدولة في مصر أو في بغداد ليقوموا لها بالحروب وهم على استعداد في جميع الأوقات، أما أبو الخطاب فليس له جيش تدفع له الأجور ويكون تحت الطلب في جميع الأحوال. بل إن المحاربين إنما هم أفراد الأمة من بدافع المبدأ ومحاربة الباطل، وليس لهم أي غنم في هذه الحروب الهائلة، فهم يزودون أنفسهم ويسلحونها،