الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٧٣الإباضية في موكب التاريخ
171
الإباضية في ليبيا (1)
ذلة
،وأعينهم، وأنسوا في أنفسهم قوة يمكن أن تخف على المسلمين ما م فيه من ومهانة، ولو إلى حين فقدموا عليهم أبا حاتم الملزوزي وبايعوه على أن يعمل
الله
بكتاب الله وسنة رسول وهدى السلف الصالحين، فقبل منهم واستعد للكفاح. وما سمع الوالي العباسي بهذا الحادث حَتَّى بعث بحملة عسكرية للقضاء على هذه الثورة، ولكن هذه الحملة لم تنجح، وقتل عدد غير قليل من جندها، وتفقد أبو حاتم القتلى فوجد بعضهم مسلوبًا، فغضب، وقال إن لم تردوا أسلابهم تركت أمركم، فأرجعت الأسلاب وأعلن الجيش توبتهم من عملهم ذلك، وسار السيرة العادلة المعروفة التي سارها المؤمنون الصادقون من قبله في حروب أهل الإسلام الباغين حفظ لكرامة المسلم في دمه وماله وعرضه ولو ظلم أو بغي، تم عدل بين الرعية، وإنصاف لأفراد الأمة، وإقامة لحدود الله لا جبروت ولا عدوان، ولا ظلم ولا أثرة ولا استغلال الناس متساوون في الحقوق وفي الواجبات وفي فرص الحياة، فم اعتدى نفذ فيه حكم الله، وذاق الناس لمدة قصيرة طعم الحكم الإسلامي، الحكـ الذي أراده الله لأمة محمد الا الله، فاختلسه منها عبيد الشهوة وعبيد السلطة والمال. هدأت الأحوال في طرابلس، واستتب الأمن والسلام وبدأ الناس يشعرون بالحياة الكريمة للأمة الكريمة، فاتجه أبو حاتم إلى القيروان ليخفف عن أهلها ما أصابهم من كرب، وما لحق بهم من أذى، ويرفع عنهم عبث أيدي ولاة الظالمين، لا يرقبون في الله إلا ولا ذمة، ففتحها بعد حصار طويل وكان الجهد والجوع قد بلغ مبلغا عظيما الجند المحصور بالقيروان، فلما تم النصر لأبي حاتم وفتحت له أبواب المدينة، واستسلم الجند المحاربون، لم يفعل ما فعله محمد بن الأشعث، يوم انتصر على أبي الخطاب في ليبيا. إن أبا حاتم مؤمن يحس ما يعانيه هؤلاء المسلمون الذين يسوقهم الظلمة سوق الأغنام، ولذلك فلم يمعن فيهم تقتيلا ونهبا وسلبًا وتعديًا عَلَى الأعراض، وَإِنَّمَا زودهم بالماء والغذاء والسلاح الضروري، فأعطى لكل خمسة منهم قربة للماء وعصا وخنجراً يصلحون به أمرهم ويدفعون به ما يعترض طريقهم من
من