الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

الإباضية في موكب التاريخ

172

الإباضية في ليبيا (1)

وحش مفترس وهم يعودون إلى قراهم آمنين، كما أعطى لكل واحد منه نهم رغيفا

من الخبز.

لك أن تقارن أيها القارئ الكريم بين الحالة الفظيعة التي يلاقيها الناس عندما ينتصر الظالمون، وكيف تذهب الأرواح والأموال والأعراض هدرًا بعد أن ترفع

الحرب أوزارها، لك أن تقارن بين ذلك وبين هذا السلوك الكريم الذي يعطف على الباغي الظالم، فيقدم له ما تيسر من مساعدة لك أن تقارن بين منتصر يقتل ويسلب، ويجز الرؤوس، ويعبث بالأعراض التي صانها الإسلام، ومنتصر آخر يعطف على جيش العدو، فيزوده بالزاد والسلاح، ويتركه سالا موفورا ليلحق

بأهله.

لقد ضرب أبو حاتم بهذه السيرة العطرة مثلا سامقًا للمؤمنين الذين يناط بهم حمل أمانة الحكم، وتجبرهم الحوادث إلى تربية البغاة، ولكن هل تجد مثل هذه السيرة أو قريبا منها عند أولئك الذين يحاربون باسم الخلافة في الزمن القديم، أو يحاربون باسم الدولة في العصر الحديث.

أنه ليس لأولئك ولا لهؤلاء من مزايا أمانة الحكم إلا حمل الأسماء والشعارات، يتاجرون بها عند الرؤساء، ويخدرون بها الشعوب، ويستغلونها لأنفسهم، وبسببهم وسبب أمثالهم من عبيد الشهوة شهوة المال وشهوة السلطة. وشهوة الجنس، أصيب الإسلام أمس ويصاب اليوم بالنكبات المتلاحقات أوقفت تقدمه، وغلبت عليه أعداءه الذين يتربصون به الغفلة، ويتوقعون منه الغرة، وينتظرون منه العثرة. حَتَّى واتتهم تلك المصائب جَمِيعًا، يترلها الجبابرة الذين يحملون اسم الإسلام على أمة الإسلام، والذين استخدموا شرف الخلافة في محاربة من أولاهم الخلافة. وأعطاهم الثقة، وأخذ منهم عهد الله، ولم يردعهم رادع من خُلق أو حياء أو دين بل لقد ذهبت الخلافة، وقامت في كل بقعة من بلاد الإسلام دولة تنعق بأنها جاءت لخدمة الأمة، ولَمْ تحد منها الأمة حتى اليوم إلا خطبا تلقى، واجتماعات تعقد، ومديا تضفيه الإذاعات والصحف على أصحاب المناصب وسلوكا أبعد ما يكون عن