الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٨٢

الإباضية في موكب التاريخ

180

الإباضية في ليبيا (1)

انتقال القيادة من ليبيا

بعد المعركة الطاحنة التي قتل فيها أبو حاتم وخيرة جنده وقواده في جندوبه، وبعد أن أصبحت القوة بأيدي عمال بني العباس الظلمة، الذين لا يتورعون عن دم أو مال أو عرض،

انتقل مركز مقاومة العدوان من ليبيا إلى الجزائر، وتكونت في تاهرت دولة الرستميين.

وليس معنى هذا أنه حينما كف الإباضية عن الثورة. أن الثورة قد توقفت في ليبيا.

إن الثورة لم تتوقف يوما واحدا في جَمِيع المملكة، الإسلامية، وإن كانت أغراض الثورات وأسبابها تختلف، وما دامت الدولة مستبدة وعمالها ظالمين. فإن الناس لا يكفون عن المطالبة بالحقوق، وإقامة العدل، إما باللسان وإما بالسيف.

كان الإباضية في ليبيا وتونس مستقلين عن بني العباس؛ وحينما انتقلت قيادة الحركة الثورية إلى الجزائر أصبحت أدوارهم في تاريخ السياسة وكفاح العدوان تابعة لتلك القيادة، وهم وإن كانوا يتبعون دولة بني رستم في تاهرت إلا أنهم شبه مستقلين.

وقد عمد أكثر الإباضية في ليبيا، بعد انقراض الدولة الرستمية، إلى سكنى جبل نفوسه وإن بقيت بقايا منهم منتشرين في كامل القطر. وكان أغلب هؤلاء المنتشرين يعيشون حياة سكان البادية الرحل، أو حياة شبيهة بتلك الحياة.

وقد أستطاع عمال بني العباس بما أوتوا من مال وسلطان ومكر أن يشحنوا نفوس الناس بكراهة هؤلاء القوم، وأن يحكموا عليهم أحكاما غير صحيحة، من حيث الدين والمعتقد، وبذلك تسنى لهم أن تفترق الأمة فيما بينها لتستقر كراسيهم على هذه الدعامة، دعامة التفريق التي يحسنها الحكام الجبابرة في كل زمان ومكان. رجع الإباضية إلى أنفسهم، واستمرت حياتهم على طريقتهم المعروفة: عمل دائم لله، ومحاسبة للنفس، ومجاهدة للشيطان والهوى وإحياء للسيرة المرضية لا يأبهون للدنيا ولا يقيمون لها أي وزن، إنَّها لا تساوى عند الله جناح بعوضة. فكانت مساجدهم عامرة، وأعمالهم في البر، متواصلة، ودعوتهم إلى التمسك بدين الله وسيرة السلف الصالحين مستمرة، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لا يتوقف، واستقامتهم في الأعمال مضرب الأمثال ونشرهم للعلم كما لم ينشر في أي مكان.