الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٨٤الإباضية في موكب التاريخ
182
الإباضية في ليبيا (1)
المحدّث الربيع بن حبيب فقد أجاز له أن ينيب عنه أحدا يقوم عنه يقوم عنه بالحج ما أَمَّا الإمام دام مشغولا بأمر المسلمين، أما العلامة ابن عباد فأفتى له بسقوط الحج لعدم أمن الطريق بالنسبة إليه، وأمان الطريق شرط أساسي في وجوب الْحَجِّ، وطلب من الإمام العظيم أن يقيم في جبل نفوسه وأن يتخذ قرية "ميرى" مقراً له. هذه القرية الصغيرة التي أصبحت اليوم خرابا، وكانت في ذلك الحين مركزاً من مراكز العلم والدين والخلق العظيم. وبني هنالك مسجده الفسيح الذي لا يزال منتصبا إلى اليوم في ربوة شامخة يطاول الزمن، ويستعرض التاريخ، ويحتفظ باسم الإمام العظيم، والذي لا يزال أبناء القبائل المجاورة من الرجبان يلوذون بعدله فيضعون في حرمه نتائج زراعاتهم فلا يتعدى عليها ولا تنالها اللصوص. طابت للإمام الإقامة في هذا الجبل، وانصرمت سبع سنوات كأنها ليلة واحدة، وكان يعيش كما يعيش المسلمون، وكان من أهم ما يشغله التدريس فكان مسجده هذا من أعظم المدارس التي نشرت العلم وهدت الناس، لقد كانت حلق الطلاب تتعاقب عليه أكثر النهار وزلفا من الليل، وكانت دروس الوعظ والإرشاد وشرح أسرار الإسلام للناس من أهم ما يتناوله الإمام العظيم، على أن أعظم موضوع أخذ الوقت منه وحرص أن يتفهم الناس أسراره ومعانيه هو الصلاة، هذا الركن الذي يجعل المسلم يناجي ربه عددًا من المرات في اليوم، ويستلهم
موضوع
منه الرشاد والهداية والتوفيق والذي لا يزال يتقرب بفرائضه ونوافله إلى الله، حَتَّى يُحبَّه. ولكثرة ما انشغل الإمام بتدريس موضوع الصلاة على الناس، بالغ بعض المؤرخين فحسب أن الموضوع الوحيد الذي انشغل الإمام بتدريسه سبع سنوات في جبل نفوسه – هذا الجبل التي كان حينئذ يموج بالعلماء الأعلام - هو موضوع الصلاة فقط، والحقيقة أن الإمام العظيم كان يتناول
جميع فروع العلم، ولكنه حبب إليه موضوع الصلاة، فكان لا يمضي يوم إلا ويتحدث عنه. وعندما فكر في مغادرة ليبيا والرجوع إلى مركز الخلافة اجتمع إليه الناس وطلبوا منه أن يولي عليهم عاملا يفصل مشاكلهم، ويجمع منهم الحقوق ويوزعها على مستحقيها، ويتولى قيادة الدفاع إذا هاجمهم عدو؛ فخيرهم الإمام فاختاروا السمح بن أبي الخطاب المعافري؛ وكان السمح في مقام الوزير، للإمام يلازمه دائما، فيعرض عليه المشاكل، ويستشيره في النوزال، ويكل إليه الفصل والتدبير في كثير من الأمور، ولا يكاد يستغني عنه في شأن من