الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٨٥الإباضية في موكب التاريخ
183
الإباضية في ليبيا (1)
الشؤون، فعز عليه أن يفارقه إنَّه من أعز أصدقائه إليه، وهو أخلص مستشاريه وأحب أصحاب الرأي والعلم إليه .. فحاول أن يرضيهم بغيره لكنَّهم أصروا على موقفهم وألحوا عليه فيه، فاضطر أن يستجيب لهم، وأن يؤثرهم به ويقلده ولاية ليبيا لهم، وأن يؤثرهم به ويقلده ولاية ليبيا - ما عدا شريطا رفيعا من الساحل كان تابعا للأغالبة - معتمدا في ذلك على دينه وأمانته، وعلى دينهم وأمانتهم، وشمر الوالي القوي عن ساعد الجد، واستعد لتحمل الأمانة في هذه الولاية الشاسعة، التي تشتمل على معظم المملكة الليبية وبعض المملكة التونسية، لا يخرج منها إلا شريط ساحلي
ضيق بقي للأغالبة بعد المعاهدة التي عقدت بينهم وبين الإمام عبد الوهاب سنة 196 هـ. وتولى السمح تنظيم الولاية، وترتيب القضاة وأمراء الجند وجباة الزكاة؛ فساد الأمن وانتشر السلام، ووجد الناس الحياة التي ينشدونها في ظل الإسلام .. حرية في العمل والكسب، وكفاح الله، وعدل يشمل الغنى والفقير والقوي والضعيف وسيرة كسيرة عمال الخلفاء الراشدين، قوة في غير عنف، ولين في غير ضعف، وإيصال للحقوق إلى أصحابها من أكرم السبل وأقربها؛ فأحست البلاد الراحة والطمأنينة، وذاقت لذة العيش الهنئ الذي لا يكدره الاستبداد ولا يشوبه الظلم، وماذا ينتظر من وال أخذ الدروس الأولى من أبي الخطاب عبد الأعلى؟ وأخذ الدروس الأخيرة عن الإمام عبد الرحمن بن رستم؟ وصحب الإمام عبد الوهاب؟ إنَّه اقتبس الهدى والدين والخلق من ثلاثة أعلام، كان كُلّ واحد منهم حجة من حجج الله في الأرض.
بتقوى
الله
عندما مرض السمح مرض الوفاة اجتمع إليه الناس، وطلبوا منه أن يوصيهم (1)، فأوصاهم الله واتباع الشرع الشريف، ونصرة الأئمة ما ساروا عَلَى الحق، واستقاموا على الطريق، وهى وصية وإن كانت مختصرة في ألفاظها ولكن لا مزيد عليها لمستزيد، إن تقوى في السر والعلانية واتباع الشرع الشريف هو كُلّ ما يطلب من مؤمن يطلب السعادة لنفسه في الدنيا والآخرة .. أما قضية الأمة فقد لفت إليها هذه اللفتة الكريمة التي هي التي تبني عليها سياسة الأمة، والتي جرى عليها الإباضية منذ نشأتهم، فإن الأئمة والخلفاء الذين تسند إليهم الأمة مهمة الحكم، وتضع في أعناقهم أمانة الدولة تجب لهم الطاعة الكاملة من هذه الأمة، ما أقاموا كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام-، وساروا بسيرة
(1) راجع الباروني: الأزهار الرياضية، ص 148.
القاعدة