الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٨٧الإباضية في موكب التاريخ
185
الإباضية في ليبيا (1)
إن الإنسان لا يمكن أن يشتهر في طرق الخير وسبل الرشاد إلا إذا اتخذ ذلك المبدأ يعتمده ويعتنقه ويعمل به لنفسه، ويكافح من أجله، ويحاول أن يجعله مبدأ للناس جميعا يعتقدونه حقا ويعتنقونه مبدأ، ولا يصل الإنسان إلى هذه الميزة إلا إذا كان عمل الخير خلقا يتحلى به، ويحمل من تحت رعايته على اتباعه ويدافع عنه في جميع الأحوال. وإذا كان أيوب بن العباس من ذوي العقائد الثابتة والايمان الراسخ، والخلق المتين، والعلم الغزير، إذا كان هذا الرجل يتحلى بجميع هذه الفضائل، وبما هو أكثر من هذه الفضائل، فإن له ميزة أخرى يمتاز بها عن الناس، وينفرد بها دونهم؛ هذه الصفة هي الشجاعة التي لا تعرف التردد أو الهزيمة أو الخور، إنَّهَا قوة القلب الكبير في قوة البدن السليم الذي وهبه الله الصحة والعافية والسلامة، وهو بهذه النعمة التي خصه الله بها يثق في رَبِّه ثقة لا تحسب للخذلان حسابا، ويثق في قوته ثقة لا تخشى الضعف أو الخور، ويثق في مهارته وذكائه وعبقريته الحربية ثقة لا تخشى مراوغة أو مكيدة أو حيلة وهذه الثقة بنفسه جعلت الأمة تثق فيه، وتعتمد عليه عندما يحزبها أمر أو يشتد عليها كرب، وَلَعَلّ في القصص الآتية برهانا على هذه الصفات الممتازة التي لا يتحلى بها إلا أفراد قلائل في تاريخ البشرية الطويل.
يقول عن نفسه: "لا أعلم من فاس إلى مصر فارسا يبارزني"؛ فهل يكون هذا القول من هذا البطل غروراً سولت له به نفسه ووسوس به إليه الشيطان؟ هل يكون هذا الادعاء باطلا عندما يجابه بالحقائق ويصطدم بالأبطال؟ إنَّه يتحدى نصف قارة كاملا، يزعم أنه لا يجد فيه من يقف له
رد له الضربات ويكيل له اللطمات، ويغدق له كؤوس الشراب من حياض المنون المترعة. إننا ولا شك سنتردد في تصديق هذا القول حين يعرض علينا في هذا الدعوى الفضفاضة الواسعة حَتَّى نعرضه على التاريخ، وللتاريخ حق الحكم على صحة هذا الادعاء أو بطلانه، فهل تكفى شهادة التاريخ؟
كان عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم أميرًا للمؤمنين، وخليفة للمسلمين على أغلب شمال أفريقيا من مراكش إلى سرت، ما عدا شريطاً ساحليًا ضيقا ينقطع في بعض الجهات .. وثار على الإمام جماعة من المعتزلة في الجزائر، لهم علم ولهم قوة ولهم بطولة، وتضايق الإمام من هذه الثورة التي كانت تهدد أمن الدولة والبلاد فاستنجد بجبل نفوسه وطلب منه أن يمده بمائة من