الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

الإباضية في موكب التاريخ

186

الإباضية في ليبيا (1)

خيرة الفرسان الشجعان، على أن يكون معهم ثلاثمائة من الفقهاء والمفسرين وعلماء الكلام وتشاور الناس في هذا الطلب وبحثوا أمر الإمداد، وقرروا بالإجماع أنه واجب عليهم، ولكنهم

فكروا في هذا الجيش الذي سيكلفهم ويكلف الإمام مؤونة وتعبا، واقترح مقترح أن يختاروا أربعة أشخاص يقوم كُلّ واحد منهم مقام المئة، ووجد الاقتراح قبولا، فصادق عليه الْجَمِيع، ثُمَّ بدأت عملية الاختيار؛ إن الإمام يريد مائة فارس من الفرسان المغاوير، وهم يريدون أن يرسلوا إليه فارسا واحدا يقوم مقامهم ويغني غناءهم، ومن لهذا الموقف غير هذا البطل الذي يتحدى نصف القارة كاملا في اعتداد وشجاعة، إنَّه الرجل المطلوب أو هو رجل الساعة كما تجري تعابير السياسيين .. وعرض عليه القوم الطلب والاختيار، فهل فكر وتردد؟ موقف صعب يوضع فيه الرجل أمام أقصى امتحان إنَّه لم يكلف بالدخول في معمعة حرب يجالد الأبطال كواحد منهم، ولكنه وضع في مقام جيش يسير من قطر إلى قطر ليهزم جيشا يهدد الإمامة .. قبل البطل هذا العرض باعتداد واستبشار وبرهن أنه أحق رجل بالثقة التي وضعت فيه، واجتمع بزملائه الآخرين وقرروا المسير .. قرروا أن يقطعوا هذه القفار

الموحشة من جبل نفوسة إلى غربي الجزائر، ليقفوا أصعب موقف وقفه بطل في التاريخ. ووصل أيوب بن العباس حتّى ينتظره الموت فاغر الفم، مكشر الأنياب .. وعرض خدماته على الإمام وأعلن أنه مستعد أن يقوم مقام العدد الذي يطلبه الإمام من أبطال الكفاح ورجال الحرب، فكانت ذراعه القوية؛ وسيفه البتار أقوى ضربة وجهها الإمام عبد الوهاب إلى الواصلية من المعتزلة الذين طالما تحككوا بالإمامة وأعلنوا عليها الثورة أو العدوان. إن هذه القصة تشرح معنى الشهرة التي أشار إليها أبو العباس الشماخي في أول هذا الحديث، فهل استطعت أن أكشف النقاب عن الغرض الذي أرمي إليه؟ أم لا يزال يكتنفه الغموض؟ إِنَّه لولا الشهرة بالسير في طريق الخير والرشاد، ولولا الشهرة بالصلاح والسداد، ولولا الشهرة بالقوة والشجاعة والمضاء لما اتفق شعب كامل على وضع ثقتهم في رجل واحد ينوب عنهم في الدفاع عن الكرامة في بلد بعيد يجهلون كثيرًا من قوة أصحابه

واستعداداتهم .. ولولا الشهرة لما اتفق شعب كامل عَلَى أن يقاوموا رجلا بمائة رجل.