الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٨٩الإباضية في موكب التاريخ
187
الإباضية في ليبيا (1)
لقد سبق للتاريخ أن قص قصص الزعماء والأبطال، وأشار إلى أن كلمة لا تسقط بعضهم في الأرض، ولكن ذلك لم يكن لقوة الشخص نفسه، ولكن لمن يتزعمه، كما قيل: إن للأشتر ألف سيف يسلها، غضبه، ويغمدها رضاه.
إن هذه القصة التي ترويها كتب التاريخ عن بطولة أيوب بن العباس، تكفي شاهدا على ثقته في نفسه وثقة الناس فيه واستحقاقه لتلك الثقة.
ولكن لماذا نقتصر على شاهد واحد وللرجل مواقف كثيرة لا تقل مجدًا وعظمة؟ اتفق الواصلية من المعتزلة فيما بينهم بعد أن أوقع بهم هذا البطل العظيم القوي وقتل أبطالهم وفرسانهم، وأذاقهم مرارة الهزيمة .. اتفقوا أن يكيدوا له فيقتلونه غيلة إذا استطاعوا، وهم يعرفون أنهم لا يقدرون عليه، مواجهة، ويعسر عليهم أن يجدوا منه غرة في الأحوال العادية، ولذلك فقد دبروا المكيدة الآتية.
إِنَّهُم قوم بداة يسكنون الخيام، ويرعون الأغنام، فلماذا لا يستضيفونه إلى حيهم، ويكثرون
له أطايب الطعام والشراب حَتَّى إذا ثقل عليه وغلب عليه النوم وثبوا عليه وقتلوه. وجاؤوا يعرضون عليه ضيافتهم فقبل وهو يعرف أنهم أشد الناس حقدًا عليه وبغضا له. ونصحه الإمام ونصحه الأصدقاء أن يرفض هذه الدعوة غير الكريمة، ولكن البطل العظيم أصر على قبول الدعوة وتشريف الحي بالزيارة .. وركب مع القوم ووصل إلى الحي المحتفي المضياف، فقُدِّم إليه العشاء الذي تعبت في إعداده بنات الحي؛ طعام كثير، وشراب كثير، ولبن حامض كثير، وأكل هذا الرجل الشره الأكول .. أكل حتَّى أتم الطعام، وأكل حتى أتم اللحم، وانتقى العظم .. وشرب حتّى استنفذ ما في الوكاء من ألبان .. وكان القوم ينظرون إليه وهم يتغامزون مستبشرين فرحين …
سريعا،
إنه يأكل كأَنه في منزله، لا يتكلف ولا يتعفف، ولا يخاف ولا يحذر، ونتيجة ذلك سوف تظهر سوف يثقل عليه الطعام والشراب، وتأخذه سنة من النوم فيجدون الفرصة التي انتظروها بفارغ الصبر، وأعدوا لها الأسباب والوسائل .. ولكن الرجل خيب ظنهم، فقد قام بعد أن نظف الأواني مما فيها من طعام، فصلى صلاة العشاء الآخرة، ثُمَّ تربع في مجلسه وبدأ يتلو القرآن الكريم،