الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٩٠

الإباضية في موكب التاريخ

188

الإباضية في ليبيا (1)

واستمع الناس إليه فأطال وبدأ الملل يتسرب إلى نفوسهم، والنوم يهز أعناقهم ويؤرجح رؤوسهم،

وطالت التلاوة وامتدت حتى بلغت صلاة الفجر، فصلاها ثُمَّ استأذن رجال الحي في الرجوع. إن الفرصة الأولى قد ضاعت إلى غير رجعة فما العمل؟ وفكر أذكى القوم وأشجعهم فقال: "لو طلبنا منه أن يعلمنا الفروسية حتّى إذا لاحت لنا منه غرة، قتلناه، وتكفل أن يقوم بمهمة مة القتل". وأعجب الشباب بالفرصة الثانية واستعدوا لها، وحمل رئيس القوم سيفه وجاء إلى المحارب المقدام

يعرض عليه ملتمس الشباب، فأجابهم إلى ما طلبوا، واصطفوا على مقربة من الحي، وبدأ الدرس. كان الشباب يحملون عصيا في مقام السيوف، وكان الفارس الكبير يدربهم على مقارعة الأقران ومجالدة الفرسان وأساليب الكر، وخدع الفر، حَتَّى ظن رئيس القوم أن صاحبهم قد استغرق في الدرس ونسي الحذر، وأمكنته منه الفرصة، وواتته الغرة التي كان يتحينها، فوجه الضربة القاضية فيما يظن، ولكن الفارس الذي عرف نوايا القوم مقدما، وَلَمْ يغفل عنها لحظة عين، راغ عن الضربة، واتجه إلى يمينه فقتل، واتجه إلى يساره فقتل، وأطلق بقية الفتيان أعنة خيولهم، وأوغلوا في الفرار، فالتفت الشيخ إلى نساء الحي وهن يعولن وقال لهن: أزيد كن أم كفاكن؟ فصحن به کفي کفي، ووكز جواده فطار به إلى تاهرت عاصمة الإمامة ومقر زملائه الذين كانوا ينتظرون في كُلّ لحظة أن يوافيهم خبر مقتله، ولكن أيوب بن العباس الذي يتحدى الفرسان ما بين فاس ومصر عاد سالمًا موفورا …

إن هذه القصة صورة أخرى من صور الشجاعة والبطولة والثقة بالله وبالنفس .. يذهب البطل إلى عقر دار العدو .. العدو الذي لا يتورع عن الغدر والخديعة والغيلة يذهب ليأكل طعامهم ويشرب شرابهم ويبيت بين أعدائه في حيهم .. ويسلك في كُلّ ذلك سلوك الرجل المطمئن المؤدب

حين يكون مع أعز الأصدقاء وأو فى الأحبة الذين يكرمونه بكُلِّ ما تميل إليه النفس والشهية. إن هذا الرجل بهذا السلوك نادر من نوادر البشرية في خلقه وفي خُلقه، وفي دينه وأمانته

وعلمه وثقته بربه وبنفسه.

وصل إلى تاهرت بعد سفر شاق قطع فيه آلاف الأميال في صحاري قاحلة جرداء. ومهما كانت قوة الجواد الذي أعده لهذه المغامرة الفريدة في التاريخ فإن التعب لا بُدَّ أن يلحقه. إنه يتكون كما تتكون جميع المخلوقات الحية من لحم ودم وعصب، ولذلك فقد طلب من الإمام