الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٩١الإباضية في موكب التاريخ
189
الإباضية في ليبيا (1)
أن يعطيه جوادًا يستطيع أن يدخل به المعركة ويقارع عليه الأبطال، واستجاب الإمام العظيم للبطل العظيم فخيره في خيول الدولة، وقد كانت الدول في ذلك الحين تستمد بالخيول وأعدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رَبَاطِ الْخَيْلِ (1) ودخل البطل إلى إسطبل الدولة وبدأ يختار الجياد واحدا واحدا فهل وجد ما يرضيه؟ وهل نجحت خيول الدولة في هذا الامتحان الذي يقوم به هذا البطل الليبي العتيد؟ لقد كان يمسك بناصية الجواد ويجذبه إليه فيقع على ركبتيه، ولم يزل كذلك بها حتَّى اختبرها جَمِيعًا، وحينئذ رجع إلى هذا الجواد الذي قطع الصحراء، وظن أن التعب أنهكه وطول السفر أضناه، فلما أمسك بناصيته وجذبه إليه لَمْ يستجب له الفرس، ولكنَّه رفعه إلى أعلى في اعتزاز وخيلاء تُجيدها الجياد .. عند ذلك انطلقت من شفتي الفارس الكبير هذه الكلمة التي تَدُلُّ عَلَى الإعجاب والإعزاز والحب لهذا الجواد الأصيل: "البركة في البرذون"؛ فضربت مثلا، وكلام هؤلاء الفحول كله مثل وعبرة.
هذا بطل عرف الإمام عبد الوهاب دينه وخلقه وشهرته بالصلاح والتقوى وعرف شجاعته وقوته وثقته في ربه وثقته في نفسه وعمله الخالص لله والأمة، فلما بلغه خبر وفاة عامله على ليبيا، هذا القطر الذي كان يعرف في ذلك الحين " بحيز طرابلس " ويعنون بذلك
جميع الأراضي الواقعة ما بين سرت والقيروان وجبل دمر ما عدا طرابلس المدينة. لما بلغت الإمام وفاة عامله السمح، ذلك العامل الذي تتلمذ على يد أعظم إماميين في ذلك العصر، وهما أبو الخطاب وعبد الرحمن، ثُمَّ دربه عَلَى شؤون الإدارة الإمام عبد الوهاب، الإمام العالم القوي في دين الله كان من أوائل الأسماء التي قفزت إلى ذهن الإمام: أيوب بن العباس، ومنذ ذكره لَمْ ينسه، وَلَمْ يستطع اسم آخر أن يطغى عليه رغم كثرة العظماء في ذلك العصر. إِنَّه لَمْ يفضل عليه حَتَّى بعض زملائه الذين سافروا معه في الوفد، والذين قد يفوقونه علما ومعرفة ولذلك رأى أن يحمل هذا العبء الثقيل وهو مطمئن إلى أنه أسند الحمل إلى أكفأ رجل يستطيع القيام به .. رجل يستطيع القيام به .. وَلَمَّا استشار بعض خواصه من أهل الشورى وافقوه فأرسل إليه يوليه مكان سلفه العظيم السمح المعافري .. تولى العمل وقام به كما قام به
سلفه، قوة في دين الله، ومحافظة على شرع الله، وعدل بين جميع الناس في الحقوق
والواجبات، وحفاظ عَلَى الأمن والسلام، حَتَّى كانت أيامه خيرا وبركة ورخاء.
(1) سورة الأنفال: 60.