الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في ليبيا (1)

أبو عبيدة عبد الحميد)

عندما توفي البطل العظيم أبو الحسن أيوب بن العباس أصابت الإمام حيرة وربكة فيمن يختاره ليقوم بالعمل في ليبيا من هذا الرجل الذي يستطيع أن يقوم مقام أيوب بن العباس؟ ويملأ فراغه؟ ولا تعني هذه الحيرة أن الأبطال كانوا قليلا في ذلك الحين، أو ليس هناك من المسلمين المخلصين الذين يوثق بدينهم وخلقهم، أو أن الذين يقوون على تحمّل أعباء هذه الأمانة التي توضع في أعناقهم كانوا من التزرة بحيث يبحث عنهم الباحث فلا يهتدى إلى واحد منهم إلا بعد عناء .. ليس هذا ما تعنيه حيرة الإمام، وإنَّما احتار الإمام؛ لأن عددا جما تتوفر فيه شروط الكفاءة للقيام بهذه المهمة، ولَمْ تتبادر إلى ذهنه ميزة خاصة بأحدهم حتى

يكون ذلك سببا لإناطة هذا الواجب به، ولذلك بعث إلى نفوسه يستشيرهم في الأم ويخيرهم في الوالي الذي يضعون بين يديه مقدراتهم واجتمع أهل الشورى وبحثوا الموضوع من جميع أطرافه، واستعرضوا الرجال الأكفاء، واحدًا واحدا، وأخيرًا قر رأيهم على أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني؛ فأخبروه أنهم رشحوه لأن يتولى أمرهم، وأنهم كتبوا بهذا الترشيح إلى الإمام، وما عليه إلا أن يستعد للقيام بهذه المهمة الخطيرة .. ولو كان أبو عبيدة من أولئك الرجال الذين يطلبون الدنيا ويبحثون عن الجاه ويلتمسون وسائل السلطة، لو كان من هؤلاء لطار فرحًا، ولامتلأ غبطة، ولكنَّه كان مؤمنا مخلصا في إيمانه، تقيا صادقا في تقواه، فلما أبلغ القوم اختيارهم له، وتكليف الإمام له امتنع كما امتنع سلف (2) له من قبل عن تولّي الإمامة، وبذل الشعب كُلِّ وسيلة ليحملوا الرجل على قبول هذا الشرف الذي توليه إِيَّاهُ الأمة، والإمام، فلم يقبل، وكان جوابه لهم في كُلّ محاولة قوله: "أنا ضعيف، أنا ضعيف، أنا ضعيف، يكررها في إصرار وتأكيد وَلَمَّا لم يتمكنوا من إقناعه كتبوا إلى الإمام برفض أبي عبيدة واعتذاره بضعفه.

(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الخامسة، فهو من علماء النصف الأوَّل من القرن الثالث. وقد كان واليا للإمام عبد الوهاب ثُمَّ للإمام أفلح على حيز طرابلس ومركزه جادو.

(2) هو العلامة مسعود الأندلسي. راجع الأزهار الرياضية، ص 99.