الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٩٣

الإباضية في موكب التاريخ

191

الإباضية في ليبيا (1)

يعرض

لو كان القوم طلاب دنيا لتبدل وجه التاريخ ولسخر الإمام من هذا الرجل المغفل الذي عليه الجاه والسلطة فيزورّ عنها، ولأناط الإمام هذا الشرف بغير هذا الرجل الجامد العزوف، لكن الإمام لم يكن من أولئك الناس الذين ينظرون إلى الأشياء بقيمة الحياة الدنيا، ولكنهم يزنونها بميزان الإسلام، فَلَمَّا وجد هذا الرجل الذي يفر بدينه في حرص وتشدد، عرف أنه وقع على أصلح رجل للأمر، وأن هذا الرجل حقيق أن لا يخاف غير الله، وَأَنَّهُ لا يطمع في غير الله، وهاتان الصفتان هما أكرم الفضائل التي يجب أن يتجلى بها من يلي أمراً من

أمور الدولة.

بعث الإمام رسالة أخرى يؤكد فيها أمره الأول بتولية أبي عبيدة، وأقسم في هذه الرسالة بكل اللغات التي يعرفها أن لا يولي أمر المسلمين إلا رجلا يخاف ضعف نفسه، ثُمَّ حلل العذر الذي اعتذر به أبو عبيدة فقال: إن كنت ضعيف البدن فتول أمر المسلمين والله يقويك، وإن كنت ضعيفا في المال ففي بيت المال غناء للجميع، وإن كنت ضعيف العلم فعليك بأبي زكريا التوكيتي"، إنَّها رسالة من راع يعرف كُلّ شَيْء عن رعية هو مسؤول عنها أمام الله .. وأصبح أمر الإمام واجب الطاعة حتى التنفيذ، ولو كان مترددا، إنَّه يطلب مهلة للتفكير وتقليب الآراء، ولذلك طلب من إخوانه الذين يمسكون برسالة الإمام، ويطلبونه بالتنفيذ أن يمهلوه إلى الغد ليستشير.

من يستشير أبو عبيدة يا ترى؟ ومن هذا الرجل العظيم الذي يلجأ إليه أبو عبيدة يلتمس منه الرأي والنصيحة؟ لعله أبو زكريا التوكيتي؟ لعله أبو مهاصر؟ لعله أبو زيد؟ لعله أبو مرداس؟ لعله واحد من عشرات العلماء الأعلام الذين تغص بهم المدن والقرى في ذلك الحين! … لا!! لا!! إِنَّه لم يكن واحد من أولئك، إنَّه آخر من يخطر على بال شباب اليوم، الشباب الذي يدعو إلى تحرير المرأة، وهو يعتقد أن معنى حرية المرأة أن تنطلق في الميادين العامة شبه عارية تزرع الفتنة أو تدخل سكرتيرة في مكتب المدير لتعمل عمل المنبه في إثارة الأعصاب الغافلة، أو مضيفة تسلي الركاب باللفتة والبسمة أو موظفة تندس بين صفوف الموظفين تحمل أيديهم عَلَى العمل بشهوة عيونهم الزائفة التي تحملق في جوع إلى وجهها