الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٩٤

الإباضية في موكب التاريخ

192

الإباضية في ليبيا (1)

الجميل، أو قدها المياس، أو متنزهة تزاحم الناس في المراكب العامة، والمجالس العامة، والميادين العامة، تزاحمهم بالصدر والعجز، فإن لم تفعل ذلك واحتفظت لنفسها بكرامتها، ولزوجها بجمالها، ولولدها بحبها وحنانها حسبت أسيرة لا تخدم المجتمع.

ولكن الواقع غير ذلك، فلقد استطاعت المرأة المسلمة في مختلف أدوار التاريخ – وهى فتفظة بكرامتها - أن تؤدي للأمة والمجتمع أجل خدمة دون أن تغمز بعين، أو تميس بقد بين أنظار الجائعين، أو أن تكشف عن الصدر والنحر، وأن تطلى وجهها بالمساحيق، وتثقل ميزانيتها وميزانية زوجها بمصاريف الأزياء والتجميل.

قلت: إن أبا عبيدة ذهب يستشير المرأة، للمرأة الكريمة العالمة، التي يجهل شاب اليوم ماضيها المشرق في العصر الذهبي للإسلام .. كانت هذه الشخصية العظيمة التي فزع إليها أبو عبيدة والتي كان رأيها أرجح من رأي جمع غير قليل من أفذاذ الرجال، والتي استطاعت أن تخضع هذا الرجل العتيد لإرادة الأمة والإمام وأن تقنعه بالحجة والبرهان كانت هي "مارن" العالمة الذكية البارعة، جدة المشايخ هذه المدرسة التي لا تزال آثار مدرستها تطاول الزمن في القرية الجميلة "الجمارى" هذه القرية التي تنحني بدلال عَلَى الزرقاء الفاتنة، وترنو في حب وإعجاب إلى زميلتها "مزو" إِنَّهُما قريتان شاعريتان تحضنان وادي الزرقاء الجميل، إحداهما تستقبل قبلة الشمس عند البزوغ والأخرى تتلقاها عند الغروب .. عرض أبو عبيدة قضيته على جدة

المشايخ عرض عليها هذه المشكلة التي حيرته، وأقضت مضجعه، فماذا كان الجواب؟ إن العالمة العجوز لم ترد أن تبسط له في الرجاء، وأن تسند طلب المشايخ والإمام، وَإِنَّمَا وضعت المشكلة أمام حساب الضمير وضعتها أمام المحاسبة النفسية التي لا يستطيع الإنسان أن يتملص منها، إنك تستطيع أن تتملص من جميع الناس بِالْحَقِّ أو بالباطل، ولكنك لا تستطيع أن تهرب من ضميرك، ولذلك فقد قالت له: "إن" تقدمت فأنت في النار، وإن تأخرت فأنت في النار، وأوضحت له مقصدها فقالت: "إن تقدمت وأنت تعرف أن في المسلمين من هو أكفاً منك، فأنت في النار، وإن تأخرت وأنت تعلم أنك أكفأ المسلمين، فأنت في النار". وصمت الرجل العظيم وفكر طويلا واستعرض الأشخاص حتى إذا اقتنع