الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

الإباضية في موكب التاريخ

193

الإباضية في ليبيا (1)

بالنتيجة رفع إليها رأسه وهو يقول في صدق وصراحة وأسف: "أما في الرجال فلا! " يعني أنه لا يعرف أن في الرجال من هو أكفا منه للقيام بأمر المسلمين، وودع العجوز واستعد للقيام بالأمر، ورجع إلى المسلمين الذين ينتظرونه فأخبرهم باقتناعه وقبوله (1). وسر القوم واستبشروا، ولكنهم كانوا يعرفون أن الفضل في حل هذه المشكلة يرجع إلى الجدة "مارن"، ولذلك قال قائلهم: "هلم بنا نزر "وقاية" هي خير من عمائمنا"، والوقاية ما. تضعه المرأة على رأسها ليقي ثيابها ما تدهنه به من زيت وغيره، وزار المشايخ الجدة وشكروها على ما قدمته لأمتها ودينها، دون أن تقف خطيبة تتلوى على المنصة وهي تستعرض مفاتن جسمها أكثر مما تستعرض مواهب عقلها، وتستدر الإعجاب بجمالها أكثر مما تستدر الإعجاب بفكرها ورأيها ..

لماذا يا ترى يصر الإمام ويصر المسلمون على تولية رجل يشكو الضعف، ويتباعد عن تحمل المسؤولية، وقد كانت البلاد مملوءة بالرجال الأكفاء؟؟!.

إن الإمام ذكر حادثة من حوادث التاريخ التي تمر بالإنسان فتترك أثرها الذي لا ينسى ولا يمحى .. إن مواقف البطولة والشجاعة والاستمساك بالْحَقِّ هي المعايير التي تقاس بها الرجولة

عندما تناط الأعمال.

زار الإمام عبد الوهاب طرف المملكة في الشرق هذه القطعة التي نسميها اليوم ليبيا، واتخذ مقره في قلب جبل نفوسه في قرية "ميرى" من بلد الرجبان اليوم، هذه القرية التي اندثرت وَلَمْ يبق منها إلا المسجد العظيم الذي بناه الناس للإمام عبد الوهاب، يلقي فيه المحاضرات العلمية. ويتولى فيه التدريس والصلاة والفصل في مشاكل الناس، وذلك أن الأئمة العدول لم يكونوا يترفعون عن العامة ولا يبتعدون عنهم، ولا يتخذون مجالس خاصة بهم لا يصلها إلا المقربون بعد استئذان .. . إنهم كانوا يقومون بأعباء الدولة بين جموع الأمة، وفي المساجد التي هي بيوت يؤمها جميع المسلمين، وبقي الإمام الكبير وطاب له البقاء؛ فانصرمت من الزمن سبع سنين، وكان بعض مرافقي الإمام خافوا على أنفسهم العنب فتزوجوا عددا من إماء "بني

الله

(1) راجع القصة في السير، ص 182، وفي الأزهار الرياضية، ص 153.