الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٩٦

الإباضية في موكب التاريخ

194

الإباضية في ليبيا (1)

زمور"، وولد الأمة هو ملك لسيدها لا لزوجها كما ينص الشرع الكريم، وعندما ركب الإمام للرحيل وركب رفاقه معه أخذ كل واحد منهم ولده من الأمة التي تزوجها، وشغل الإمام بالوداع، فغفل عن هذا الموضوع، واستحى الناس، واستحى العلماء والقضاة والعمال أن يتكلموا، وأن يؤلموا خواطر هؤلاء الضيوف الذين رافقوا الإمام في آخر لحظة، لحظة الوداع، ولكن أبا عبيدة لا يخاف شيئًا في الْحَقِّ، ولا يجامل عليه أحدا، ولا يساير حتى الإمام نفسه .. ولذلك فما سمع بالحادث حتَّى جاء والناس في موقع الوداع، فلم يستأذن الإمام وَلَمْ يهمس في أذن العامل أو القاضي بكلمة لطيفة أو توسل ذليل، ولكنه صرخ بما يملك من قوة الصوت: "خذوا عبيدكم يا بني زمور" إِنَّه حكم الله، ولن يسكت عن مخالفة حكم الله ولو غضب البشر جَمِيعًا.

وكان هذا الموقف الصلب الصريح القوي الذي لا يُحابي ولا يلين، هو الميزان الذي رجح به أبو عبيدة على غيره من الأقران في نظر الإمام .. لقد أقر الإمام أمر أبي عبيدة وأعجب به ولَمَّا جاء مجال الاختيار بين من تسند إليه مهام أمور المسلمين ذكر الإمام صلابة الرجل في الحق، وقوة إيمانه وعلمه وحصانة خلقه، فأصر على توليته، وتولى أبو

عبيدة.

لقد كان أبو عبيدة من أولئك المؤمنين القلائل الذين يفرقون بين المواقف ويعرفون متى تكون الشدة ومتى يكون اللين، إنه يترسم خطا الفاروق الله، لا تأخذه في الله لومة لائم؛ ولَكنَّه إلى كُلّ ذلك لا يرى نفسه إلا رجلا ضعيفًا قد ألقيت عليه تكاليف ينوء بها القوي الأمين، وهو إذا خرج منها سالما فقد نجا. ولذلك فقد كان شديد الاحتياط، ولكنَّه عندما يستبين له الطريق لا يتردد ولا يقف ولا يحيد، وعندما تولى شؤون الجبل كان هناك "خَلَف (1) رجل ممَّن غرته الحياة، واستعبدته الشهوة، وأذلت نفسه المطامع، فاستهان بحرمة المال والدم وطلب لنفسه الخلافة ليقيم ملكا كالذي أقامه طلاب الدنيا في كثير من نواحى العالم الإسلامي، وكان "خلف" يستعلي

1) خلف بن السمح بن أبي الخطاب المعافري.